ابن رشد

165

تهافت التهافت

أصول في كون العالم أزليا أو غير أزلي ، وهل له فاعل أو لا فاعل له ، وقول المتكلمين ، ومن يقول بحدوث العالم طرف ، وقول الدهرية طرف آخر ، وقول الفلاسفة متوسط بينهما . وإذا تقرر هذا كله ، فقد تبين لك أن من يقول أن من يجوز عللا لا نهاية لها ليس يمكن أن يثبت علة أولى قول كاذب ، بل الذي يظهر ضد هذا وهو أنه من لا يعترف بوجود علل لا نهاية لها لا يقدر أن يثبت علة أولى أزلية ، لأن وجود معلولات لا نهاية لها هي التي اقتضت وجوب علة أزلية من قبلها استفاد وجودا ما لا نهاية له ، وإلا فقد كان يجب أن تتناهى الأجناس التي كل واحد من أشخاصها محدث ، وبهذا الوجه فقط أمكن أن يكون القديم علة للحوادث ، وأوجب وجود الحوادث التي لا نهاية لها وجود أول قديم واحد سبحانه لا إله إلا هو . قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة في الاعتراض الذي وجهه عليهم : فإن قيل : الدورات ليست موجودة في الحال ولا صور العناصر ، وإنما الموجود منها صورة واحدة بالفعل وما لا وجود له لا يوصف بالتناهي وعدم التناهي إلا إذا قدّر في الوهم وجودها ولا يبعد ما يقدر في الوهم وإن كانت المقدرات بعضها عللا لبعض فالإنسان قد يفرض ذلك في وهمه ، وإنما الكلام في الموجودات في الأعيان لا في الأذهان . فلا يبقى إلا نفوس الأموات ، وقد ذهب بعض الفلاسفة إلى أنها كانت واحدة أزلية قبل التعلق بالأبدان وعند مفارقة الأبدان تتحد فلا يكون فيه عدد فضلا من أن توصف بأنه لا نهاية لها ، وقال آخرون : النفس تابعة للمزاج وإنما معنى الموت عدمها ولا قوام لها بجوهرها دون الجسم فإذا لا وجود للنفوس إلا في حق الأحياء والأحياء الموجودون محصورون ولا تنتفي النهاية عنهم ، والمعدومون لا يوصفون أصلا لا بوجود النهاية ولا بعدمها إلا في الوهم إذا فرضوا موجودين . ثم قال : والجواب أن هذا الإشكال في النفوس أوردناه عن ابن سينا والفارابي والمحققين منهم إذ حكموا بأن النفس جوهر قائم بنفسه ، وهو اختيار أرسطو والمعتبرين من الأوائل . ومن عدل عن هذا المسلك فنقول له : هل يتصوّر أن يحدث مع كل آن شيء يبقى أم لا فإن قالوا لا فهو محال وإن قالوا نعم قلنا فإذا قدرنا كل يوم حدوث شيء وبقاءه اجتمع إلى الآن لا محالة موجودات لا نهاية لها فالدورة وإن كانت منقضية فحصول موجود فيها يبقى ولا ينقضي غير مستحيل ، وبهذا التقدير يتقرر الإشكال ولا غرض في أن يكون ذلك الباقي نفس آدمي أو جني أو شيطان أو ملك أو ما شئت من الموجودات وهو لازم على كل مذهب لهم إذا أثبتوا دورات لا نهاية لها .