ابن رشد
164
تهافت التهافت
فاسد ، وإن كان من أشخاص غير متناهية ، فإن الدهرية تضع أنه ممكن ، وواجب أن يكون المجموع أزليا ، من غير علة توجد عنها . وأما الفلاسفة فإنهم يجوزون ذلك ، ويرون أن مثل هذه الأجناس ، من جهة ما تتقوم بأشخاص ممكنة فاسدة أنه لا بد لها من سبب خارج جنسها دائم أزلي ، هو الذي من قبله استفادت هذه الأجناس الأزلية . ولا يزعمون أيضا أن استحالة علل لا نهاية لها ، هي من قبل استحالة تقوم القديم بما لا نهاية له . فهم يقولون : إن كون الحركات المختلفة بالجنس هاهنا دائمة لا تخل هو أن هاهنا حركة واحدة بالعدد أزلية . وأن السبب في أن هاهنا أجساما كائنة فاسدة بالأجزاء ، أزلية بالكل ، أن هاهنا موجودا أزليا بالجزء والكل وهو الجرم السماوي . والحركات التي لا نهاية لها ، إنما صارت أبدية بالجنس من قبل حركة واحدة بالعدد ، متصلة دائمة ، وهي حركة الجرم السماوي . وليس حركة السماء مؤلفة من دورات كثيرة إلا في الذهن فقط . وحركة الجرم السماوي إنما استفادت الدوام ، وإن كانت كائنة فاسدة بالأجزاء ، من قبل محرك لا يمكن فيه أن يحرك تارة ولا يحرك أخرى ، ومن قبل متحرك لا يمكن فيه أيضا أن يتحرك حينا ويسكن حينا ، من جهة ما هو متحرك ، كما يلفي ذلك في المتحركات التي لدينا . ومذهب الناس في الأجناس ثلاثة مذاهب : - مذهب من يرى أن كل جنس فهو كائن فاسد ، من قبل أنه متناهي الأشخاص . - ومذهب من يرى أن من الأجناس ما هي أزلية ، أي لا أول لها ولا آخر ، من قبل أنه يظهر من أمرها أنها من أشخاص غير متناهية وهؤلاء قسمان : قسم قالوا : إن أمثال هذه الأجناس إنما يصح لها الدوام من علة ضرورية واحدة بالعدد ، وإلا لحقها أن تعدم مرات لا نهاية لها في الزمان الذي لا نهاية له . وهؤلاء هم الفلاسفة . - وقسم اعتقدوا أن وجود أشخاصها غير متناهية ، كاف في كونها أزلية وهم الدهرية . فقف على هذه الثلاثة الآراء . فجملة الاختلاف هو راجع إلى هذه الثلاثة