ابن رشد
161
تهافت التهافت
يفض إلى ضروري لا علة له ، وإن فهمنا من الممكن ما له علة وهو ضروري ، لم يلزم عن ذلك إلا أن ما له علة فله علة ، وأمكن أن نضع أن تلك لها علة ، وأن يمر ذلك إلى غير نهاية ، فلا ينتهي الأمر إلى موجود لا علة له وهو الذي يعنونه بواجب الوجود إلا أن يفهم من الممكن الذي وضعه بإزاء ما لا علة له ، الممكن الحقيقي ، فإن هذه الممكنات هي التي يستحيل وجود العلل فيها إلى غير نهاية ، وأما إن عني بالممكن ما له علة من الأشياء الضرورية فلم يتبين بعد أن ذلك مستحيل بالوجه الذي تبين في الموجودات الممكنة بالحقيقة ، ولا يتبين بعد أن هاهنا ضروريا يحتاج إلى علة فيجب عن وضع هذا أن ينتهي الأمر إلى ضروري بغير علة ، إلا أن يبين أن الأمر في الجملة الضرورية التي من علة ومعلول كالأمر في الجملة الممكنة . قال أبو حامد : قلنا : لفظ الممكن والواجب لفظ مبهم إلا أن يراد بالواجب ما لا علة لوجوده ويراد بالممكن ما لوجوده علة وإن كان المراد هذا فلنرجع إلى هذه اللفظة فنقول : كل واحد ممكن على معنى أن له علة زائدة على ذاته والكل ليس بممكن على معنى أنه ليس له علة زائدة على ذاته خارجة منه وإن أريد بلفظ الممكن غير ما أردنا فهو ليس بمفهوم . فإن قيل : فهذا يؤدي إلى أن يتقوم واجب الوجود بممكنات الوجود وهو محال . قلنا : إن أردتم بالواجب والممكن ما ذكرناه فهو نفس المطلوب فلا نسلم أنه محال وهو كقول القائل : يستحيل أن يتقوم القديم بالحوادث والزمان عندهم قديم وآحاد الدورات هادئة ، وهي ذوات أوائل ، والمجموع لا أول له . فقد تقدم ما لا أول له ، بذوات أوائل ، وصدق ذوات الأوائل على الآحاد ، ولم يصدق على المجموع . فكذلك يقال على كل واحد إن له علة ، ولا يقال للمجموع علة . وليس كل ما صدق على الآحاد يلزم أن يصدق على المجموع ، إذ يصدق على كل واحد أنه واحد ، وأنه بعض ، وأنه جزء ، ولا يصدق على المجموع . وكل موضع عيناه من الأرض فإنه قد استضاء بالشمس في النهار ، وأظلم بالليل . وكل واحد حادث بعد أن لم يكن ، أي له أول ، والمجموع عندهم ما له أول . فتبين أن من يجوز حوادث لا أول لها ، وهي صور العناصر الأربعة فلا يتمكن من إنكار علل لا نهاية لها . ويخرج من هذا أنه لا سبيل لهم إلى الوصول إلى إثبات المبدأ الأول ، لهذا الإشكال ، وترجع فرقهم إلى التحكم المحض . قلت : وضع أسباب ممكنة لا نهاية لها ، يلزم عنه وضع ممكن لا فاعل له . وأما وضع أشياء ضرورية لها علل غير متناهية فإنما يلزم عن ذلك أن يكون ما وضع أن له علة ، ليس له علة ، وهو صحيح ، إلا أن المحال اللازم عن