ابن رشد

162

تهافت التهافت

أسباب بهذه الصفة غير اللازم عن أسباب من طبيعة الممكن ، فلذلك إن أراد مريد أن يخرج هذا القول الذي استعمله ابن سينا مخرج برهان ، أن يستعمل هكذا الموجودات الممكنة ، لا بد لها من علل تتقدم عليها . فإن كانت العلل ممكنة لزم أن يكون لها علل ، ومر الأمر إلى غير نهاية . وإن مر الأمر إلى غير نهاية لم يكن هنالك علة ، فلزم وجود الممكن بلا علة ، وذلك مستحيل . فلا بدّ أن ينتهي الأمر إلى علة ضرورية . فإذا انتهى الأمر إلى علة ضرورية لم تخل هذه العلة الضرورية أن تكون ضرورية بسبب ، أو بغير سبب . فإن كانت بسبب سئل أيضا في ذلك السبب . فإما أن تمر الأسباب إلى غير نهاية ، فيلزم أن يوجد بغير سبب ما وضع أنه موجود بسبب ، وذلك محال ، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى سبب ضروري بلا سبب ، أي بنفسه . وهذا هو واجب الوجود ضرورة . فبهذا النوع من التفصيل يكون البرهان صحيحا . وأما إذا خرج المخرج الذي أخرجه ابن سينا فليس بصحيح من وجوه : أحدها : أن الممكن المستعمل فيه هو باشتراك الاسم ، وقسمة الموجود أولا فيه إلى ما هو ممكن ، وإلى ما هو غير ممكن ، ليس بصحيح ؛ أعني أنها ليست قسمة تحصر الموجود بما هو موجود . وأما قوله في الرد على الفلاسفة فنقول : كل واحد ممكن على معنى أن له علة زائدة على ذاته . والكل ليس بممكن على معنى أنه ليس له علة زائدة على ذاته ، خارجة منه . يريد : وإذا سلم الفلاسفة أنهم يعنون بممكن الوجود ماله علة ، وبواجب الوجود ما ليس له علة ، قيل لهم : لا يمتنع عن أصولكم أن تكون علل ومعلولات لا نهاية لها ، وتكون الجملة واجبة الوجود ، فإن من أصولهم أنهم يجوزون أن يكون حكم الجزء غير حكم الكل والجميع . وهذا القول الاختلال فيه من وجوه ، أحدها أنهم لا يجوزون عللا بالذات غير متناهية على ما تقدم ، وسواء كانت العلل والمعلولات من طبيعة الممكن أو من طبيعة الضروري على ما تبين من قولنا . والاختلال الذي لزم ابن سينا في هذا القول أنه قيل له : إذا قسمت الموجود إلى ممكن الوجود وواجب الوجود وعنيت بالممكن الوجود ما له علة ، وبالواجب ما ليس له علة ، لم يمكنك أن تبرهن على امتناع وجود علل لا