ابن رشد

145

تهافت التهافت

يخصصها الفاعل ، فإن هذا إنما يصح في الأكر الصناعية لا في الأكر الطبيعية . وليس يلزم عن وضع أن كل نقطة من الكرة يصلح أن تكون مركزا ، وأن الفاعل هو الذي يخصصها أن يكون الفاعل كثيرا إلا أن يوضع أنه ليس في الشاهد شيء واحد يصدر عن فاعل واحد ، لأن ما في الشاهد هو مركب من المقولات العشر ، فكان يلزم أن يكون كل واحد مما هاهنا يلزم عن عشر فاعلين ، وهذا كله سخافات وهذيانات أدى إليه هذا النظر الذي هو شبيه بالهذيان في العلم الإلهي ، والمصنوع الواحد في الشاهد إنما يصنعه صانع واحد وإن كان يوجد فيه المقولات العشر ، فما أكذب هذه القضية أن الواحد لا يصنع إلا واحدا إذا فهم ما فهم ابن سينا وأبو نصر وأبو حامد في المشكاة ، فإنه عول على مذهبهم في المبدأ الأول . قال أبو حامد : فإن قيل : لعل في المبدأ أنواع من الكثرة لازمة لا من جهة المبدأ وإنما ظهر لنا ثلاثة أو أربعة والباقي لم نطلع عليه وعدم عثورنا على عينة لا يشككنا في أن مبدأ الكثرة كثرة وإن الواحد لا يصدر منه كثير . قلت : هذا القول لو قالت به الفلاسفة للزمهم أن يعتقدوا أن في المعلول الأول كثرة لا نهاية لها ، وقد كان يلزمهم ضرورة أن يقال لهم من أين جاءت في المعلول الأول كثرة ، وكما يقولون : إن الواحد لا يصدر عنه كثير ، كذلك يلزمهم أن الكثير لا يصدر عن الواحد . فقولكم أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد يناقض قولكم أن الذي صدر عن الواحد الأول شيء فيه كثرة ، لأنه يلزم أن يصدر عن الواحد واحد إلا أن يقولوا أن الكثرة التي في المعلول الأول كل واحد منها أول ، فيلزمهم أن تكون الأوائل كثيرة . والعجب كل العجب كيف خفي هذا على أبي نصر وابن سينا لأنهما أول من قال هذه الخرافات فقلد هما الناس ونسبوا هذا القول إلى الفلاسفة ، لأنهم إذا قالوا أن الكثرة التي في المبدأ الثاني إنما هي مما يعقل من ذاته ، وما يعقل من غيره ، لزم عندهم أن تكون ذاته ذات طبيعتين ؛ أعني صورتين ، فأي ليت شعري هي الصادرة عن المبدأ الأول وأي هي الغير صادرة وكذلك يلزمهم إذا قالوا فيه أنه ممكن من ذاته واجب من غيره ، لأن الطبيعة الممكنة يلزم ضرورة أن تكون غير الطبيعة الواجبة التي استفادها من واجب الوجود ، فإن الطبيعة الممكنة ليس يمكن أن تعود واجبة إلا لو أمكن أن تنقلب طبيعة الممكن ضرورية ،