ابن رشد
146
تهافت التهافت
ولذلك ليس في الطبائع الضرورية إمكان أصلا ، كانت ضرورية بذاتها أو بغيرها . وهذه كلها خرافات وأقاويل أضعف من أقاويل المتكلمين وهي كلها أمور دخيلة في الفلسفة ليست جارية على أصولهم ، وكلها أقاويل ليست تبلغ مرتبة الإقناع الخطابي فضلا عن الجدلي ، ولذلك يحق ما يقول أبو حامد في غير ماء موضع من كتبه : إن علومهم الإلهية هي ظنية . قال أبو حامد : قلنا : فإذا جوزتم هذا فقولوا : إن الموجودات كلها على كثرتها وقد بلغت آلافا صدرت من المعلول الأول فلا يحتاج أن يقتصر على جرم الفلك الأقصى ونفسه ، بل يجوز أن يكون قد صدر منه جميع النفوس الفلكية والإنسانية وجميع الأجسام الأرضية والسماوية بأنواع كثيرة لازمة فيها لم يطلعوا عليها فيقع الاستغناء بالمعلول الأول . قلت : هذا اللزوم هو صحيح ، وبخاصة أن صيّروا الفعل الصادر عن المبدأ الأول هي الوحدانية التي بها صار المعلول الأول موجودا واحدا مع الكثرة الموجودة فيه ، فإنهم إن جوزوا كثرة في المعلول الأول غير محدودة لم يخل أن تكون أقل من عدد الموجودات ، أو أكثر منها ، أو مساوية لها ، فإن كانت أقل فحينئذ يلزم أن يدخلوا ثالثا ، أو يكون شيء بلا علة ، وإن كانت مساوية ، أو أكثر ، لم يلزمهم أن يدخلوا مبدأ ثالثا ، ولكن تكون الكثرة الواردة فيه فضلا . قال أبو حامد : ثم يلزم عنه الاستغناء بالعلة الأولى فإنه إذا جاز تولد كثرة يقال أنها لازمة لا بعلة مع أنها ليست ضرورية في وجود المعلول الأول جاز أن يقدر ذلك مع العلة الأولى ويكون وجودها لا بعلة ويقال أنها لزمت ولا يدري عددها وكلما تخيل وجودها إلا علة مع الأول تخيل ذلك بلا علّة مع الثاني بل لا معنى لقولنا مع الأول والثاني ، إذ ليس بينهما مفارقة في زمان ولامكان فما لا يفارقهما في مكان وزمان ، ويجوز أن يكون موجودا بلا علة لم يختص أحدهما بالإضافة إليه . قلت : يقول إنه إذا جاز أن يوجد كثرة في المعلول الأول عن غير علة لأن العلة الأولى لا يلزم عنها كثرة جاز تقدير كثرة مع العلة الأولى ، واستغنى عن وضع علة ثانية ومعلول أول ، فإن كان مستحيلا وجود شيء مع العلة الأولى بلا علة ، فهو مستحيل أيضا مع العلة الثانية ، بل لا معنى لقولنا : علة ثانية ، إذ هي متحدة في المعنى ، وليس يفترق أحدهما من الآخر بزمان ولامكان ، فإذا جاز أن يوجد شيء بلا علة لم تختص إحدى العلتين به أعني ؛ الأولى أو الثانية ، بل يكفي في ذلك أن يوجد مع إحداهما ويستغني عن وضعه مع العلة الثانية .