ابن رشد
144
تهافت التهافت
وصورة الجسم عن الفاعل ، وعلى هذا الرأي ، فليس تصدر الأعراض التابعة للجسم المتكون عن الفاعل له صدورا أولا بل بتوسط صدور الصورة عنه ، وهذا القول سائغ على أصول الفلاسفة لا على أصول المتكلمين ، وأظن أن المعتزلة ترى أن هاهنا أشياء لا تصدر عن الفاعل للشيء صدورا أوليا كما تراه الفلاسفة . وأما نحن فقد تقدم من قولنا كيف الواحد سبب لوجود النظام ووجود الأشياء الحاملة للنظام فلا معنى لإعادة ذلك . الوجه الثالث : قال أبو حامد : هو أن الفلك الأقصى انقسم إلى نقطتين هما القطبان وهما ثابتا الوضع لا يفارقان وضعهما وأجزاء المنطقة يختلف وضعها فلا يخلو أما أن يكون جميع أجزاء الفلك الأقصى متشابها فلم يلزم تعين نقطتين من بين سائر النقط لكونهما قطبين أو أجزاؤها مختلفة ففي بعضها خواص ليس في البعض فما مبدأ تلك الاختلافات والجرم الأقصى لم يصدر إلا عن معنى واحد بسيط والبسيط لا يوجب إلا بسيطا في الشكل وهو الكري ومتشابها في المعنى وهو الخلو عن الخواص المميزة ، وهو أيضا لا مخرج عنه . قلت : البسيط يقال على معنيين : أحدهما ما ليس مركبا من أجزاء كثيرة وهو مركب من صورة ومادة وبهذا يقولون في الأجسام الأربعة أنها بسيطة ، والثاني يقال على ما ليس مؤلفا من صورة ومادة مغايرة للصورة بالقوة وهي الأجرام السماوية ، والبسيط أيضا يقال على ما حد الكل والجزء منه واحد ، وإن كان مركبا من الأسطقسات الأربعة . والبسيط بالمعنى المقول على الأجرام السماوية لا يبعد أن توجد أجزاؤه مختلفة بالطبع ، كاليمين والشمال للفلك والأقطاب ، والكرة بما هي كرة يجب أن يكون لها أقطاب محدودة ومركز محدود به تختلف كرة كرة ، وليس يلزم من كون الكرة لها جهات محدودة أن تكون غير بسيطة ، بل هي بسيطة من حيث أنها غير مركبة من صورة ومادة فيها قوة وغير متشابهة من جهة أن الجزء القابل لموضع النقطتين ليس هو أي جزء اتفق من الكرة ، بل هو جزء محدود بالطبع في كرة كرة ، ولولا ذلك لم يكن للأكر مراكز بالطبع بها تختلف ، فهي غير متشابهة في هذا المعنى ، وليس يلزم من إنزالها أنها غير متشابهة في هذا المعنى أن تكون مركبة من أجسام مختلفة الطبائع ، ولا أن يكون الفاعل لها مركبا من قوى كثيرة لأن كل كرة فهي واحدة . ولا يصح القول عندهم أيضا بأن كل نقطة من أي كرة اتفقت يمكن أن تكون مركزا ، وإنما