ابن رشد
143
تهافت التهافت
العقل الذي صدر عنه جسم الفلك أكثر من معنى واحد ، فلا تكون العلة الثانية مثلثة بل مربعة . وهذا كله وضع فاسد فإن الفلاسفة لا يعتقدون أن الجسم بأسره يصدر عن مفارق ، وإن صدر عندهم فإنما يصدر الصورة الجوهرية ، ومقادير أجزائها عندهم تابعة للصور ، لكن هذا كله عندهم في الصور الهيولانية ، والأجرام السماوية عندهم من حيث هي بسيطة لا تقبل الصغر والكبر ، ثم وضع الصورة والمادة صادرتين عن مبدأ مفارق خارج عن أصولهم ، وبعيدا جدا ، والفاعل بالحقيقة عند الفلاسفة الذي في الكائنات الفاسدات ليس يفعل الصورة ولا الهيولى ، وإنما يفعل من الهيولى والصورة المركب منهما جميعا ؛ أعني المركب من الهيولى والصورة ، لأنه لو كان الفاعل يفعل الصورة في الهيولى لكان يفعلها في شيء من لا شيء ، وهذا كله ليس رأيا للفلاسفة فلا معنى لرده على أنه رأي الفلاسفة . قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : سببه أنه لو كان أكبر منه لكان مستغني عنه في تحصيل النظام الكلي ، ولو كان أصغر منه لم يصلح للنظام المقصود . قلت : يريد بهذا القول أن الفلاسفة ليس يرون أن جرم الفلك مثلا جائز أن يكون أكبر أو أصغر مما هو عليه ، لأنه لو كان بأحد الوصفين لم يحصل النظام المقصود هاهنا ، ولا كان تحريكه لما هاهنا تحريكا طبيعيا بل كان أما زائدا على هذا التحريك ، وأما ناقصا ، وكلاهما يقتضي فساد الموجودات هاهنا لا أن الكبر كان يكون فضلا كما قال أبو حامد ، بل الكبر والصغر كلاهما كانا يقتضيان فساد العالم عندهما . قال أبو حامد رادا على الفلاسفة : فنقول : وتعين جهة النظام هل هو كاف في وجود ما به النظام أم يفتقر إلى علة موجدة فإن كان كافيا فقد استغنيتم عن وضع العلل فأحكموا بأن كون النظام في هذه الموجودات اقتضى هذه الموجودات بلا علة زائدة وإن كان ذلك لا يكفي بل افتقر إلى علة فذلك أيضا لا يكفي للاختصاص بالمقادير بل يحتاج أيضا إلى علة التركيب . قلت : حاصل هذا القول أنه يلزمهم أن في الجسم أشياء كثيرة ليس يمكن أن تصدر عن فاعل واحد ، إلا أن يقولوا : إن الفاعل الواحد يصدر عنه أفعال كثيرة ، أو يعتقدوا أن كثيرا من لواحق الجسم يلزم عن صورة الجسم ،