ابن رشد

14

تهافت التهافت

الأشعرية بأن اللّه فعل العالم بإرادة قديمة صحيح ولكنها لم تثبت بأنه فعله بفعل قديم . وإذا قالت بالفعل القديم يلزمها الإقرار بقدم العالم أو تجدد حالة في الفاعل الأول ، وهذا محال . أما الاعتراض الثاني فيرد عليه ابن رشد بقوله أن الغزالي لم يتنبه إلى حقيقة مذهب أرسطو في صلة الحوادث بالسبب الأول . « فالجهة التي منها أدخل القدماء موجودا ليس بمتغير أصلا ليس هي من جهة وجود الحادثات عنه بما هي حادثة بل بما هي قديمة بالجنس » « 1 » وعلى ذلك فإن « صدور الحادث عن القديم الأول ( اللّه ) لا بما هو حادث بل بما هو أزلي ، من جهة أنه أزلي بالجنس حادث بالأجزاء » « 2 » . ودليل الفلاسفة الثاني كما يعرضه الغزالي هو أنه لو فرضنا أن اللّه متقدم على العالم ، وجب أن يكون هذا التقدم إما بالذات وإما بالزمان . فإذا كان تقدم اللّه على العالم بالذات ، أي كتقدم العلة على المعلول ، « لزم أن يكونا حادثين أو قديمين واستحال أن يكون أحدهما حادثا والآخر قديما » « 3 » . وقد فرضنا أن اللّه قديم فلا يمكن للعالم ، وهو معلول له ، أن يكون متأخرا عنه في الوجود . وإذا كان تقدم اللّه على العالم بالزمان فلا بدّ من أن يكون قبل وجود العالم والزمان زمان كان العالم فيه معدوما وكان اللّه سابقا بمدة مديدة لها طرف من جهة العالم ولا طرف لها من جهة اللّه ، وهذا يعني أنه قبل الزمان زمان لا نهاية له وهو متناقض . فالزمان قديم والحركة أيضا قديمة ( لأن الزمان عبارة عن قدر الحركة ) ووجب قدم المتحرك ( العالم ) الذي يدوم الزمان بدوام حركته . ويبطل الغزالي هذا الدليل بقوله أن الزمان حادث ومخلوق وليس قبل الزمان زمان أصلا . ويضيف الغزالي : « ومعنى قولنا أن اللّه متقدم على العالم والزمان أنه ( اللّه ) كان ولا عالم معه ولا زمان ثم كان ومعه عالم وزمان » « 4 » . أي وجود ذات الباري سبحانه وعدم وجود ذات العالم ثم وجود الذاتين معا . وتقدير الزمان من عمل الوهم ولا يلتفت إليه . ويصف ابن رشد قول الغزالي بأنه : « قول مغالطي خبيث » ويصحح مسلك

--> ( 1 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 55 . ( 2 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 56 . ( 3 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 58 . ( 4 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 59 .