ابن رشد
15
تهافت التهافت
الفلاسفة المتأخرين من أهل الإسلام ويتهمهم بقلة تحصيلهم لمذهب القدماء . فقد « قام البرهان أن هاهنا نوعين من الوجود : أحدهما في طبيعته الحركة وهذا لا ينفك عن الزمان ، والآخر ليس في طبيعته الحركة وهذا أزلي وليس يتصف بالزمان » « 1 » . ولا تصح المقارنة بين اللّه والعالم لأن اللّه والعالم لا يدخلان في جنس واحد . وعندما تقول أن اللّه متقدم على العالم فمعنى التقدم هنا « تقدم الموجود الذي هو ليس بمتغير ولا في زمان على الوجود المتغير الذي في زمان ، وهو نوع آخر من التقدم . أما الدليلان الثالث والرابع فهما متصلان ببعضهما . فدليل الفلاسفة الثالث هو دليل الإمكان . فالعالم قبل وجوده كان ممكنا والإمكان قديم لا أول له . إذ لو لم يكن ممكنا لكان ممتنعا ، والممتنع وجوده لن يوجد ، ولكن العالم قد وجد فلا بد وأن يكون ممكنا . وأما الدليل الرابع فمتعلق بالثالث وهو أن الإمكان لا بد له من حامل أو موضوع يحل فيه وهي المادة ، فما دام الإمكان قديما فالمادة قديمة . يرد الغزالي على هذين الدليلين بقوله أن الإمكان والامتناع والوجوب ليست أمورا وجودية . فهي تصورات عقلية لا تحتاج إلى موضوع يحملها . فيؤكد ابن رشد بأن الإمكان أزلي ويحتاج إلى مادة أزلية . والإمكان ليس تصورا عقليا كما قال الغزالي ، لا بل الممتنع نفسه يحتاج إلى موضوع يقابله وينسب إليه الامتناع « 2 » . فلو نفينا الحامل للإمكان ، أي الموجود الذي ينتقل من حال الوجود بالقوة إلى حال الوجود بالفعل ارتفع الحدوث والتغير . لأن الذي يوصف بالحدوث والتغير هو الهيولي أو المادة موضوع الكون والفساد « 3 » . والنتيجة التي انتهى إليها ابن رشد هي أن العالم قديم لأن الحركة والزمان الذي يقيسها ، وأيضا الإمكان والمادة الحاملة له ، جميعها قديمة . وأما قضية العلم الإلهي فالغزالي كان قد كفّر الفلاسفة فيما ذهبوا إليه من أن اللّه يعلم الكليات دون الجزئيات . ويشرح الغزالي مذهب ابن سينا القائل بأن اللّه يعلم الأشياء علما كليا ، لا يدخل تحت الزمان ، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن ، ومع ذلك فقد زعم ابن سينا أنه لا يغرب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض لأنه يعلمها علما كليا « 4 » . وفصّل الغزالي مذهب ابن سينا وبيّن الآثار السيئة
--> ( 1 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 59 . ( 2 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 74 . ( 3 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 75 . ( 4 ) المصدر نفسه ، النص ، ص 256 .