ابن رشد

119

تهافت التهافت

بتلك الأفعال وأن لهم أميرا هو الذي أوجب لهم تلك الخدمة الدائمة للعناية بغير هم المستمرة هو أعلى قدرا منهم وأرفع رتبة وأنهم كالعبيد المسخرين له ، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه الكتاب العزيز في قوله سبحانه : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية . وإذا اعتبر الإنسان أمرا آخرا ، وهو أن كل واحد من الكواكب السبعة له حركات خادمة لحركته الكلية ذوات أجسام تخدم جسمه الكلي كأنها خدمة يعتنون بخادم واحد علم أيضا على القطع أن لجماعة كل كوكب منها آمرا خاصا بهم رقيبا عليهم من قبل الآمر الأول ، مثل ما يعرض عند تدبير الجيوش أن يكون منها جماعة جماعة كل واحد منها تحت آمر واحد ، وأولئك الآمرون ، وهم المسمون العرفاء ، يرجعون إلى أمير واحد وهو أمير الجيش ، كذلك الآمر في حركات الأجرام السماوية التي أدرك القدماء من هذه الحركات ، وهي نيف على الأربعين ، ترجع كلها إلى سبع آمرين وترجع السبع أو الثمانية على اختلاف بين القدماء في عدد الحركات إلى الآمر الأول سبحانه . وهذه المعرفة تحصل للإنسان بهذا الوجه ، سواء علم كيف مبدأ خلقة هذه الأجسام ؛ أعني السماوية أو لم يعلم وكيف ارتباط وجود سائر الآمرين بالآمر الأول أو لم يعلم ، فإنه لا شك أنها لو كانت موجودة من ذاتها ؛ أعني قديمة من غير علة ولا موجد لجاز عليها ألا تأتمر لآمر واحد لها بالتسخير ، وألا تطيعه وكذلك حال الآمرين مع الآمر الأول ، وإذا لم يجز ذلك عليها فهنالك نسبة بينها وبينه اقتضت لها السمع والطاعة وليس ذلك أكثر من أنها ملك له في عين وجودها لا في عرض من أعراضها ، كحال السيد مع عبيده بل في نفس وجودها فإنه ليس هنالك عبودية زائدة على الذات ، بل تلك الذوات تقومت بالعبودية ، وهذا هو معنى قوله سبحانه : إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً . وهذا الملك هو ملكوت السماوات والأرض الذي اطلع اللّه تعالى عليه إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . وأنت تعلم أنه إذا كان الأمر هكذا فإنه يجب ألا تكون خلقة هذه الأجسام ومبدأ كونها على نحو كون الأجسام التي هاهنا ، وأن العقل الإنساني يقصر عن إدراك كيفية ذلك الفعل ، وإن كان يعترف بالوجود . فمن رام أن يشبه الوجودين أحدهما بالآخر ، وأن الفاعل لها فاعل بالنحو الذي توجد الفاعلات هاهنا فهو شديد الغفلة عظيم الزلة كثير الوهلة .