ابن رشد

120

تهافت التهافت

فهذا هو أقصى ما يفهم به مذاهب القدماء في الأجرام السماوية ، وفي إثبات الخالق لها ، وفي أنه ليس بجسم ، وإثبات ما دونه من الموجودات التي ليست بأجسام ، وأحدها هي النفس . وأما إثبات وجوده من كونها محدثة على نحو حدوث الأجسام التي نشاهدها كما رام المتكلمون فعسير جدا ، والمقدمات المستعملة في ذلك هي غير مفضية بهم إلى ما قصدوا بيانه ، وسنبين هذا من قولنا فيما بعد عند التكلم في طرق إثبات وجود اللّه سبحانه . وإذ قد تقرر هذا ، فلنرجع إلى ذكر شيء مما يقوله أبو حامد في مناقضة ما حكاه عن الفلاسفة ونعرف مرتبته في الحق إذ كان ذلك هو المقصود الأول في هذا الكتاب . قال أبو حامد رادا على الفلاسفة : قلنا : ما ذكرتموه تحكمات وهي على التحقيق ظلمات فوق ظلمات ، لو حكاه الإنسان عن منام رآه لاستدل به على سوء مزاجه ، أو أورد جنسه في الفقهيات التي قصارى المطلب فيها تخمينات لقيل أنها ترهات لا تفيد غلبات الظنون . قلت : لا يبعد أن يعرض مثل هذا للجهال مع العلماء ، وللجمهور مع الخواص ، كما يعرض ذلك لهم في المصنوعات فإن الصنّاع إذا أوردوا صفات كثيرة من مصنوعاتهم على العوام وتضمنوا الأفعال العجيبة عنها هذىء بهم الجمهور وظنوا أنهم مبرسمين وهم في الحقيقة الذين ينزلون منزلة المبرسمين من العقلاء ، والجهال من العلماء ، وأمثال هذه الأقاويل لا ينبغي أن يتلقى بها آراء العلماء وأهل النظر . وقد كان الواجب عليه إذ ذكر هذه الأشياء أن يذكر الآراء التي حركتهم إلى هذه الأشياء حتى يقايس السامع بينها وبين الأقاويل التي يروم بها هو إبطالها . قال أبو حامد : ومداخل الاعتراض على مثله لا تنحصر ولكنا نورد وجوها معدودة . الأول : من هذا أنا نقول : ادعيتم أن أحد معاني الكثرة في المعلول الأول أنه ممكن الوجود . فنقول : كونه ممكن الوجود عين وجوده أو غيره فإن كان عينه فلا ينشأ منه كثرة وإن كان غيره فهلا قلتم في المبدأ الأول كثرة لأنه موجود وهو مع ذلك واجب الوجود ، فوجوب الوجود غير نفس الوجود فليجز صدور المختلفات منه لهذه الكثرة . وإن قيل : لا معنى لوجوب الوجود إلا الوجود فلا معنى لإمكان الوجود إلا الوجود . فإن قلتم : يمكن أن يعرف كونه موجودا ولا يعرف كونه ممكنا فهو غيره فكذا واجب الوجود يمكن أن يعرف وجوده ولا