ابن رشد
114
تهافت التهافت
واحد والواحد الذي به يرتبط إنما يلزم عن واحد هو معه قائم بذاته فواجب أن يكون هاهنا واحد مفرد قائم بذاته وواجب أن يكون هذا الواحد إنما يعطي معنى واحدا بذاته ، وهذه الوحدة تتنوع على الموجودات بحسب طبائعها ، ويحصل عن تلك الوحدة المعطاة في موجود موجود وجود ذلك الموجود وتترقى كلها إلى الوحدة الأولى ، كما تحصل الحرارة التي في موجود موجود من الأشياء الحارة عن الحار الأول الذي هو النار وتترقى إليها . وبهذا جمع أرسطو بين الوجود المحسوس والوجود المعقول وقال : أن العالم واحد صدر عن واحد ، وأن الواحد هو سبب الوحدة من جهة ، وسبب الكثرة من جهة ، ولما لم يكون من قبله وقف على هذا ولعسر هذا المعنى لم يفهمه ، كثير ممن جاء بعده كما ذكرنا . وإذا كان ذلك كذلك فبيّن أن هاهنا موجودا واحدا تفيض منه قوة واحدة بها توجد جميع الموجودات ، ولأنها كثيرة فإذا عن الواحد بما هو واحد واجب أن توجد الكثرة أو تصدر أو كيف ما شئت أن تقول . وهذا هو معنى قوله : وذلك بخلاف ما ظن من قال أن الواحد يصدر عنه واحد . . فانظر هذا الغلط ما أكثره على الحكماء . فعليك أن تتبين قولهم هذا هل هو برهان أم لا ؛ أعني في كتب القدماء لا في كتب ابن سينا وغيره الذين غيروا مذهب القوم في العلم الإلهي حتى صار ظنيا . قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : إذا عرف مذهبنا اندفع الإشكال فإن الموجودات تنقسم : إلى ما هي في محل كالأعراض والصور ، وإلى ما هي ليست في محل وهذا ينقسم إلى ما هي محل لغيرها كالأجسام وإلى ما هي ليست بمحل كالموجودات التي هي جواهر قائمة بأنفسها وهي تنقسم إلى ما تؤثر في الأجسام ونسميها نفوسا وإلى ما لا تؤثر في الأجسام بل في النفوس ونسميها عقولا مجردة . فأما الموجودات التي تحل في المحل كالأعراض فهي حادثة ولها علل حادثة وتنتهي إلى مبدأ هو حادث من وجه دائم من وجه وهي الحركة الدورية وليس الكلام فيها . وإنما الكلام في الأصول القائمة بأنفسها لا في محل وهي ثلاثة أجسام وهي أخسها وعقول مجردة وهي التي لا تعلق لها بالأجسام لا بالعلاقة الفعلية ولا بالانطباع فيها وهي أشرفها ونفوس وهي أوسطها فإنها تتعلق بالأجسام نوعا من التعلق وهو التأثير والفعل فيها فهي متوسطة في الشرف فإنها تتأثر من العقول وتؤثر في الأجسام ثم الأجسام عشرة تسع سماوات والعاشر المادة التي هي حشو مقعر ذلك القمر والسماوات التسع حيوانات لها أجرام ونفوس ولها ترتيب في الوجود كما نذكره . وهو أن المبدأ الأول فاض من وجوده العقل الأول