ابن رشد
115
تهافت التهافت
وهو وهو موجود قائم بنفسه ليس بجسم ولا منطبع في جسم يعرف نفسه ويعرف مبدأه وقد سميناه العقل الأول ولا مشاحة في الأسامي سمي ملكا أو عقلا أو ما أريد ويلزم عن وجوده ثلاثة أمور عقل ونفس الفلك الأقصى وهي السماء التاسعة وجرم الفلك الأقصى ثم لزم من العقل الثاني عقل ثالث ونفس فلك الكواكب وجرمه ثم لزم من العقل الثالث عقل رابع ونفس فلك زحل وجرمه ولزم من العقل الرابع عقل خامس ونفس فلك المشتري وجرمه وهكذا حتى انتهى إلى العقل الذي لزم منه عقل ونفس فلك القمر وجرمه . والعقل الأخير هو الذي يسمى العقل الفعّال ثم لزم حشو فلك القمر وهي المادة القابلة للكون والفساد من العقل الفعال وطبائع الأفلاك ثم أن المواد تمتزج بسبب حركات الأفلاك والكواكب امتزاجات مختلفة تحصل منها المعادن والنبات والحيوان ، ولا يلزم أن يلزم من كل عقل عقل إلى غير نهاية لأن هذه العقول مختلفة الأنواع فما ثبت لواحد لا يلزم للآخر . فخرج منه أن العقول بعد المبدأ الأول عشرة والأفلاك تسعة ومجموع هذه المبادي الشريفة بعد الأول تسعة عشر وحصل منه أن تحت كل عقل من العقول الأول ثلاثة أشياء عقل ونفس فلك وجرمه فلا بد وأن يكون في مبدأه تثليث لا محالة ولا يتصور كثرة في المعلول الأول إلا من وجه واحد وهو أنه يعقل مبدأه ويعقل نفسه وهو باعتبار ذاته ممكن الوجود ، لأن وجوب وجوده بغيره لا بنفسه وهذه معان ثلاثة مختلفة فالأشرف من المعلولات الثلاثة ينبغي أن ينسب إلى الأشرف من هذه المعاني فيصدر منه العقل من حيث أنه يعقل مبدأه ويصدر نفس الفلك من حيث أنه يعقل نفسه ويصدر جرم الفلك من حيث أنه ممكن الوجود بذاته . فيبقى أن يقال هذا التثليث من أين حصل في المعلوم الأول ومبدأه واحد . فنقول : لم يصدر من المبدأ الأول إلا واحد وهو ذات هذا العقل الذي به يعقل نفسه ولزمه ضرورة لا من جهة المبدأ أن عقل المبدأ وهو في ذاته ممكن الوجود وليس له الإمكان من المبدأ الأول بل هو ذاته ونحن لا نبعد أن يوجد من الواحد واحد يلزم ذلك المعلول لا من جهة المبدأ أمور ضرورية إضافية أو غير إضافية فيحصل بسببه كثرة ويصير بذلك مبدأ الوجود الكثرة فعل هذا الوجه يمكن أن يلتقي المركب بالبسيط إذ لا بد من الالتقاء ولا يمكن إلا كذلك فهو الذي يجب الحكم به . فهذا هو القول في تفهيم مذهبهم . قلت : هذا كله تخرص على الفلاسفة من ابن سينا وأبي نصر وغيره . ومذهب القوم القديم هو أن هاهنا مبادئ هي الأجرام السماوية ، ومبادئ الأجرام السماوية موجودات مفارقة للمواد هي المحركة للأجرام السماوية ، والأجرام السماوية تتحرك إليها على جهة الطاعة لها والمحبة فيها والامتثال لأمرها إياها بالحركة والفهم عنها ، وأنها إنما خلقت من أجل الحركة . وذلك أنه لما صح أن المبادي التي تحرك الأجرام السماوية هي مفارقة للمواد وأنها ليست بأجسام لم يبق وجه به يحرك الأجسام ما هذا شأنه إلا من جهة أن المحرك أمر