ابن رشد
113
تهافت التهافت
متحركة أولا من المحركين لها الذين ليس هم في مادة أصلا وصورها ؛ أعني الأجرام السماوية مستفادة من أولئك المحركين وصور ما دون الأجرام السماوية مستفادة من الأجرام السماوية وبعضها من بعض ، سواء كانت صور الأجسام البسائط التي في المادة الأولى الغير كائنة ولا فاسدة أو صورا لأجسام مركبة من الأجسام البسيطة وأن التركيب في هذه هو من قبل الأجرام السماوية ، هذا هو اعتقادهم في النظام الذي هاهنا . وأما الأشياء التي حركتهم ؛ أعني الفلاسفة لهذا الاعتقاد فليس يمكن أن يتبين هاهنا إذ كان بنوه على أصول ومقدمات كثيرة تبين في صنائع كثيرة وبصنائع كثيرة بعضها مرتب على بعض . وأما الفلاسفة من أهل الإسلام كأبي نصر وابن سينا فلما سلموا لخصومهم أن الفاعل في الغائب كالفاعل في الشاهد ، وأن الفاعل الواحد لا يكون منه إلا مفعول واحد ، وكان الأول عند الجميع واحدا بسيطا ، عسر عليهم كيفية وجود الكثرة عنه حتى اضطرهم الأمر أن لم يجعلوا الأول هو المحرك الحركة اليومية ، بل قالوا : إن الأول هو موجود بسيط صدر عنه محرك الفلك الأعظم وصدر عن محرك الفلك الأعظم الفلك الأعظم ومحرك الفلك الثاني الذي تحت الأعظم إذ كان هذا المحرك مركبا من ما يعقل من الأول وما يعقل من ذاته . وهذا خطأ على أصولهم لأن العاقل والمعقول هو شيء واحد في العقل الإنساني ، فضلا عن العقول المفارقة . وهذا كله ليس يلزم قول أرسطو فإن الفاعل الواحد الذي وجد في الشاهد يصدر عنه فعل واحد ليس يقال مع الفاعل الأول إلا باشتراك الاسم ، وذلك أن الفاعل الأول الذي في الغائب فاعل مطلق ، والذي في الشاهد فاعل مقيد ، والفاعل المطلق ليس يصدر عنه إلا فعل مطلق ، والفعل المطلق ليس يختص بمفعول دون مفعول ، وبهذا استدل أرسطاليس على أن الفاعل للمعقولات الإنسانية عقل متبرئ عن المادة ؛ أعني من كونه يعقل كل شيء ، وكذلك استدل على العقل المنفعل أنه لا كائن ولا فاسد من قبل أنه يعقل كل شيء . والجواب في هذا على مذهب الحكيم أن الأشياء التي لا يصح وجودها إلا بارتباط بعضها مع بعض ، مثل ارتباط المادة مع الصورة وارتباط أجزاء العالم البسيطة بعضها مع بعض ، فإن وجودها تابع لارتباطها ، وإذا كان ذلك كذلك فمعطي الرباط هو معطي الوجود ، وإذا كان كل مرتبط إنما يرتبط بمعنى فيه