ابن رشد

112

تهافت التهافت

في المدن من قبل مدبري المدن اعتقدوا أن العالم يجب أن يكون بهذه الصفة ، وهذا هو معنى قوله سبحانه : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا واعتقدوا لمكان وجود الخير في كل موجود أن الشر حادث بالعرض ، مثل العقوبات التي يضعها مدبروا المدن الفاضلون فإنها شرور وضعت من أجل الخير لا على القصد الأول ، وذلك أن هاهنا من الخيرات خيرات ليس يمكن أن توجد إلا يشوبها شر ، كالحال في وجود الإنسان الذي هو مركب من نفس ناطقة ونفس بهيمية ، فكأن الحكمة اقتضت عندهم أن يوجد الخير الكثير وإن كان يشوبه شر يسير ، لأن وجود الخير الكثير مع الشر اليسير آثر من عدم الخير الكثير لمكان الشر اليسير . فلما تقرر بالآخرة عندهم أن المبدأ الأول يجب أن يكون واحدا ووقع هذا الشك في الواحد جاوبوا فيه بأجوبة ثلاثة : فبعضهم زعم أن الكثرة إنما جاءت من قبل الهيولي وهو أنكساغورس وآله ، وبعضهم زعم أن الكثرة إنما جاءت من قبل كثرة الآلات ، وبعضهم زعم أن الكثرة إنما جاءت من قبل المتوسطات ، وأول من وضع هذا أفلاطون . وهو أقنعها رأيا لأن السؤال يأتي في الجوابين الآخرين وهو من أين جاءت كثرة المواد وكثرة الآلات ؟ فمن اعترف بهذه المقدمة فالشك مشترك بينهم والكلام في الوجه الذي به لزمت الكثرة عن الواحد لازم لها أعني فيمن اعترف أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد . وأما المشهور اليوم فهو ضد هذا وهو أن الواحد الأول صدر عنه صدورا أولا جميع الموجودات المتغايرة ، فالكلام في هذا الوقت مع أهل هذا الزمان إنما هو في هذه المقدمة . وأما ما اعترض به أبو حامد على المشائين فليس يلزمهم وهو أنه إن كانت الكثرة لا حقة من جهة المتوسطات فليس يلزم عن ذلك إلا كثرة بسيطة كل واحد منها مركب من كثرة ، فإن الفلاسفة يرون أن هاهنا كثرة بهاتين الجهتين كثرة لأمور بسيطة ، وهي الموجودات البسيطة التي ليست في هيولي ، وأن هذه بعضها أسباب لبعض وترتقي كلها إلى سبب واحد هو من جنسها وهو أول في ذلك الجنس ، وإن كثرة الأجرام السماوية إنما جاءت عن كثرة هذه المبادي وأن الكثرة التي دون الأجرام السماوية إنما جاءت من قبل الهيولي والصورة ، والأجرام السماوية ، فلم يلزمهم شيء من هذا الشك . فالأجرام السماوية