ابن رشد
111
تهافت التهافت
الموجودات كلها آحادا وكل واحد معلول لواحد آخر فوقه وعلة لآخر تحته إلى أن ينتهي إلى معلول لا معلول له كما انتهى في جهة التصاعد إلى علة لا علة لها وليس كذلك فإن الجسم عندهم مركب من صورة وهيولي وقد صار باجتماعها شيئا واحدا والإنسان مركب من جسم ونفس وليس وجود أحدهما من الآخر بل وجود هما جميعا من علة أخرى والفلك عندهم كذلك فإنه جرم ذو نفس لم تحدث النفس بالجرم ولا الجرم بالنفس بل كلا هما صادران من علة سواهما . فكيف وجدت هذه المركبات ؟ من علة واحدة ، فيبطل قولهم : لا يصدر من الواحد إلا واحد أو من علة مركبة فيتوجه السؤال في تلك العلة إلى أن يلتقي بالضرورة مركب وبسيط فإن المبدأ بسيط وفي الآخر تركيب ولا يتصور ذلك إلا بالالتقاء وحيث يقع الالتقاء يبطل قولهم أن الواحد لا يصدر منه إلا واحد . قلت : هذا لازم لهم إذا وضعوا الفاعل الأول كالفاعل البسيط الذي في الشاهد ؛ أعني أن تكون الموجودات كلها بسيطة ، لكن هذا إنما يلزم من جعل هذا الطلب عاما في جميع الموجودات ، وأما من قسم الموجود إلى الموجود المفارق والموجود الهيولاني المحسوس فإنه جعل المبادي التي يرتقي إليها الموجود المحسوس غير المبادي التي يرتقي إليها الموجود المعقول ، فجعل مبادئ الموجودات المحسوسة المادة والصورة ، وجعل بعضها لبعض فاعلات إلى أن يرتقي إلى الجرم السماوي وجعل الجواهر المعقولة ترتقي إلى مبدأ أول هو لها مبدأ على جهة تشبه الصورة وتشبه الغاية وتشبه الفاعل ، وذلك كله مبيّن في كتبهم فتأتي المقدمة مشتركة فليس تلزمهم هذه الشكوك وهذا هو مذهب أرسطو . وهذه القضية القائلة أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد هي قضية اتفق عليها القدماء حين كانوا يفحصون عن المبدأ الأول للعالم بالفحص الجدلي وهم يظنونه الفحص البرهاني ، فاستقر رأي الجميع منهم على أن المبدأ واحد للجميع وأن الواحد يجب ألا يصدر عنه إلا واحد ، فلما استقر عندهم هذان الأصلان طلبوا من أين جاءت الكثرة . وذلك بعد أن بطل عندهم الرأي الأقدم من هذا وهو أن المبادي الأول اثنان : أحدهما للخير ، والآخر للشر ، وذلك أنه لا يمكن عندهم أن تكون مبادئ الأضداد واحدة ورأوا أن المتضادة العامة التي تعم جميع الأضداد هي الخير والشر ، فظنوا أنه يجب أن تكون المبادي اثنين ، فلما تأمل القدماء الموجودات ورأوا أنها كلها تؤم غاية واحدة وهو النظام الموجود في العالم كالنظام الموجود في العسكر من قبل قائد العسكر ، والنظام الموجود