ابن رشد

110

تهافت التهافت

ليس يعنون بقولهم أن العالم قديم أنه متقوم بأشياء قديمة لكونها حركة ، وهذا هو الذي لما لم تفهمه الأشعرية عسر عليهم أن يقولوا : إن اللّه قديم وأن العالم قديم ، ولذلك كان اسم الحدوث الدائم أحق به من اسم القدم . قال أبو حامد : الوجه الثالث في استحالة كون العالم فعلا للّه تعالى على أصلهم بشرط مشترك بين الفاعل والفعل وهو أنهم قالوا لا يصدر من الواحد إلا شيء واحد والمبدأ واحد من كل وجه والعالم مركب من مختلفات فلا يتصور أن يكون فعلا للّه تعالى بموجب أصلهم . قلت : أما إذا سلم هذا الأصل والتزم فيعسر الجواب عنه ، لكنه شيء لم يقله إلا المتأخرة من فلاسفة الإسلام . ثم قال مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : العالم بجملته ليس صادرا من اللّه تعالى بغير واسطة بل الصادر منه موجود واحد وهو أول المخلوقات وهو عقل مجرد أي هو جوهر قائم بنفسه غير متحيز يعرف نفسه ويعرف مبدأه ويعبر عنه في لسان الشرع بالملك ثم منه يصدر الثالث ومن الثالث رابع وتكثر الموجودات بالتوسط . فإن اختلاف الفعل وكثرته إما أن يكون لاختلاف القوى الفاعلة كما أنّا نفعل بقوة الشهوة خلاف ما نفعل بقوة الغضب وإما أن يكون لاختلاف المراد كما أن الشمس تبيض الثوب المغسول وتسود وجه الإنسان وتذيب بعض الجواهر وتصلب بعضها وإما لاختلاف الآلات كالنجار الواحد ينشر بالمنشار وينحت بالقدوم ويثقب بالمثقب وإما أن يكون كثرة الفعل بالتوسط بأن يفعل فعلا واحدا ثم ذلك الفعل يفعل غيره فيكثر الفعل . وهذه الأقسام كلها محال في المبدأ الأول إذ ليس في ذاته اختلاف ولا اثنينية ولا كثرة كما سيأتي في أدلة التوحيد ولا ثم اختلاف مواد فإن الكلام في المعلول الأول الذي هو المادة الأولى مثلا ولا ثم اختلاف آلة إذ لا موجود مع اللّه تعالى في رتبته فالكلام في حدوث الآلة الأولى فلم يبق إلا أن تكون الكثرة في العالم صادرة من اللّه تعالى بطريق التوسط كما سبق . قلت : حاصل هذا الكلام أن الأول إذا كان بسيطا واحدا لا يصدر عنه إلا واحد ، وإنما يختلف فعل الفاعل ويكثر ، إما من قبل المواد ولا مواد معه أو من قبل الآلة ولا آلة معه ، فلم يبق إلا أن يكون من قبل المتوسط بأن يصدر عنه أولا واحد وعن ذلك الواحد واحد وعن ذلك الواحد واحد فيوجد الكثرة . ثم قال رادا عليهم : قلنا : فيلزم من هذا ألا يكون في العالم شيء واحد مركب من أفراد بل تكون