ابن رشد
109
تهافت التهافت
الحدوث وهو فعل من حيث أنه حادث . ثم قال مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : فإن اعترفتم بأن نسبة الفعل إلى الفاعل من حيث أنه موجود كنسبة المعلول إلى العلة ثم سلمتم تصور الدوام في نسبة العلة فنحن لا نعني بكون العالم فعلا إلا كونه معلولا دائم النسبة إلى اللّه تعالى فإن لم تسموا هذا فعلا فلا مضايقة في الأسماء بعد ظهور المعاني . قلنا : ولا غرض من هذه المسألة إلا بيان أنكم تتجملون بهذه الأسماء من غير تحقيق وأن اللّه تعالى عندكم ليس فاعلا تحقيقا ولا العالم فعله تحقيقا وأن إطلاق هذا الاسم مجاز منكم لا تحقيق له وقد ظهر هذا . قلت : هذا القول يضع فيه أن الفلاسفة قد سلموا له أنهم إنما يعنون بأن اللّه فاعل أنه علة له فقط ، وأن العلة مع المعلول ، وهذا انصراف منهم عن قولهم الأول لأن المعلول إنما يلزم عن العلة التي هي له علة على طريق الصورة أو على طريق الغاية ، وأما المعلول فليس يلزم عن العلة التي هي علة فاعلة بل قد توجد العلة الفاعلة ولا يوجد المعلول ، فكان أبو حامد كالوكيل الذي يقر على موكله بما لم يأذن له فيه . بل الفلاسفة ترى أن العالم له فاعل لم يزل فاعلا ولا يزال ، أي لم يزل مخرجا له من العدم إلى الوجود ولا يزال مخرجا . وقد كانت هذه المسألة قديما دارت بين آل أرسطاطاليس وآل أفلاطون ، وذلك أن أفلاطون لما قال بحدوث العالم لم يكن في قوله شك في أنه يضع للعالم صانعا فاعلا ، وأما أرسطاطاليس ، فلما وضع أنه قديم شك عليه أصحاب أفلاطون بمثل هذا الشك وقالوا أنه لا يرى أن للعالم صانعا ، فاحتاج أصحاب أرسطو أن يجيبوا عنه بأجوبة تقتضي أن أرسطو يرى أن للعالم صانعا وفاعلا وهذا يبيّن على الحقيقة في موضعه . والأصل فيه هو أن الحركة عندهم في الأجرام السماوية بها يتقوم وجودها فمعطي الحركة هو فاعل للحركة حقيقة ، وإذا كانت الأجرام السماوية لا يتم وجودها إلا بالحركة فمعطي الحركة هو فاعل الأجرام السماوية . وأيضا قد تبيّن عندهم أنه معطي الوحدانية التي بها صار العالم واحدا ومعطي الواحدانية التي هي شرط في وجود الشيء المركب هو معطي وجود الأجزاء التي وقع منها التركيب ، لأن التركيب هو علة لها على ما تبيّن ، وهذه هي حال المبدأ الأول سبحانه مع العالم كله . وأما قولهم أن الفعل حادث فصحيح لأنه حركة ، وإنما معنى القدم فيه أنه لا أول له ولا آخر ، ولذلك