ابن رشد
105
تهافت التهافت
لأن كل حركة مؤلفة من أجزاء حادثة فليس له فاعل أصلا ، وأما إن كان قديما بمعنى أنه في حدوث دائم وأنه ليس لحدوثه أول ولا منتهى ، فإن الذي أفاد الحدوث الدائم أحق باسم الأحداث من الذي أفاد الإحداث المنقطع وعلى هذه الجهة فالعالم محدث للّه سبحانه واسم الحدوث به أولى من اسم القدم وإنما سمت الحكماء العالم قديما تحفظا من المحدث الذي هو من شيء وفي زمان وبعد العدم . ثم قال مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : معنى الحادث موجود بعد عدم فلنبحث أن الفاعل إذا أحدث كان الصادر منه المتعلق به الوجود المجرد أو العدم المجرد أو كلاهما وباطل أن يقال أن المتعلق به العدم السابق إذ لا تأثير للفاعل في العدم وباطل أن يقال كلاهما إذ بان أن العدم لا يتعلق به أصلا وأن العدم في كونه عدما لا يحتاج إلى فاعل البتة فبقي أنه متعلق به من حيث أنه موجود فإن الصادر منه مجرد الوجود وأنه لا نسبة له إليه إلا الوجود فإن فرض الوجود دائما فرضت النسبة دائمة وإذا دامت هذه النسبة كان المنسوب إليه أفضل وأدوم تأثيرا لأنه لم يتعلق العدم بالفاعل بحال . فبقي أن يقال أنه متعلق به من حيث أنه حادث ولا معنى لكونه حادثا إلا أنه موجود بعد عدم والعدم لم يتعلق به . قلت : هذا القول هو من جواب ابن سينا في هذه المسألة عن الفلاسفة وهو قول سفسطائي . فإنه أسقط منه أحد ما يقتضيه التقسيم الحاصر وذلك أنه قال : إن فعل الفاعل لا يخلو أن يتعلق من الحادث بالوجود أو بالعدم السابق له ومن حيث هو عدم أو بكليهما جميعا ومحال أن يتعلق بالعدم فإن الفاعل لا يفعل عدما ، ولذلك يستحيل أن يتعلق بكليهما فقد بقي أنه إنما يتعلق بالوجود والإحداث ليس شيئا غير تعلق الفعل بالوجود ؛ أعني أن فعل الفاعل إنما هو إيجاد ، فاستوى في ذلك الوجود المسبوق بعدم والوجود الغير مسبوق بعدم . ووجه الغلط في هذا القول أن فعل الفاعل لا يتعلق بالوجود إلا في حال العدم وهو الوجود الذي بالقوة ولا يتعلق بالوجود الذي بالفعل من حيث هو بالفعل ولا بالعدم من حيث هو عدم بل بالوجود الناقص الذي لحقه العدم ، ففعل الفاعل لا يتعلق بالعدم لأن العدم ليس بفعل ولا يتعلق بالوجود الذي لا يقارنه عدم لأنه كل ما كان من الوجود على كماله الآخر فليس يحتاج إلى إيجاد ولا إلى موجد والوجود الذي يقارنه عدم لا يوجد إلا في حال حدوث المحدث . فلذلك لا ينفك من هذا الشك إلا أن ينزل أن العالم لم يزل يقترن بوجوده عدم