ابن رشد
106
تهافت التهافت
ولا يزال بعد يقترن به كالحال في وجود الحركة ، وذلك أنها دائما تحتاج إلى المحرك . والمحققون من الفلاسفة يعتقدون أن هذه هي حال العالم الأعلى مع الباري سبحانه فضلا عما دون العالم العلوي وبهذا تفارق المخلوقات المصنوعات ، فإن المصنوعات إذا وجدت لا يقترن بها عدم تحتاج من أجله إلى فاعل به يستمر وجودها . قال أبو حامد : وأما قولكم أن الموجود لا يمكن إيجاده إن عنيتم أنه لا يستأنف له وجود بعد عدم فصحيح وإن عنيتم به أنه في حال كونه موجودا لا يكون موجدا فقد بينا أنه لا يكون موجدا إلا في حال كونه موجودا لا في حال كونه معدوما فإنه إنما يكون الشيء موجودا إذا كان الفاعل له موجدا ولا يكون الفاعل موجدا في حال العدم بل في حال وجود الشيء منه والإيجاد مقارن لكون الفاعل موجدا وكون المفعول موجدا لأنه عبارة عن نسبة الموجد إلى الموجد وكل ذلك مع الوجود لا قبله فإذا لا إيجاد إلا لموجود إن كان المراد بالإيجاد النسبة التي بها يكون الفاعل موجدا والمفعول موجدا . قالوا ولهذا قضينا بأن العالم فعل للّه أزلا وأبدا وما من حال إلا وهو تعالى فاعل له لأن المرتبط بالفاعل الوجود فإن دام الارتباط دام الوجود ، وإن انقطع انقطع لا كما تخيلتموه من أن الباري تعالى لو قدر عدمه لبقي العالم إذ ظننتم أنه كالبناء مع البناء فإنه ينعدم ويبقى البناء فإن بقاء البناء ليس هو بالبناء بل هو اليبوسة الممسكة لتركيبه إذ لو لم يكن فيه قوة ماسكة كالماء مثلا لم يتصور بقاء الشكل الحادث بفعل الفاعل فيه . قلت : ولعل العالم بهذه الصفة وبالجملة فلا يصح هذا القول وهو أن يكون الإيجاد من الفاعل الموجد يتعلق بالموجود من جهة ما هو موجود بالفعل الذي ليس فيه نقص أصلا ولا قوة من القوى إلا أن يتوهم أن جوهر الموجود هو في كونه موجدا ، فإن الموجد المفعول لا يكون موجدا إلا بموجد فاعل ، فإن كان كونه موجدا عن موجد أمرا زائدا على جوهره لم يلزم أن يبطل الوجود إذا بطلت هذه النسبة التي بين الموجد الفاعل والموجد المفعول ، وإن لم يكن أمرا زائدا بل كان جوهره في الإضافة ؛ أعني في كونه موجدا صح ما يقوله ابن سينا ، وهذا لا يصح في العالم لأن العالم ليس موجودا في باب الإضافة وإنما هو موجود في باب الجوهر والإضافة عارضة له ، ولعل هذا الذي قاله ابن سينا هو صحيح في صور الأجرام السماوية مع ما تدركه من الصور المفارقة للمواد ، فإن الفلاسفة يزعمون ذلك لأنه قد تبين أن هاهنا صورا مفارقة للمواد وجودها هو تصورها وأن العلم إنما غاير المعلوم هاهنا من قبل أن المعلوم هو في مادة .