ابن رشد

104

تهافت التهافت

السفسطائيين . مثل من يقول في الزنجي أنه أبيض الأسنان فهو أبيض بإطلاق والفلاسفة لا يقولون : إن اللّه ليس مريدا بإطلاق لأنه فاعل بعلم وعن علم وفاعل أفضل الفعلين المتقابلين مع أن كليهما ممكن ، وإنما يقولون : إنه ليس مريدا بالإرادة الإنسانية . قال أبو حامد مجاوبا عن الفلاسفة : فإن قيل : نحن نعني بكون اللّه تعالى فاعلا أنه سبب لوجود كل موجود سواه وأن العالم قوامه به ولولا وجود الباري لما تصور وجود العالم إلى قوله : فلا مشاحة في الاسم بعد ظهور المعنى . قلت : حاصله تسليم القول لخصومهم أن اللّه تعالى ليس هو فاعلا وإنما هو سبب من الأسباب التي لا يتم الشيء إلا به ، وهو جواب رديء لأنه يلزم الفلاسفة منه أن يكون الأول مبدأ على طريق الصورة للكل على جهة ما النفس مبدأ للجسد وهذا ليس يقوله أحد منهم . ثم قال أبو حامد مجيبا لهم : قلنا : غرضنا أن نبين أن هذا المعنى لا يسمى فعلا وصنعا وإنما المعنى بالفعل والصنع ما يصدر عن الإرادة حقيقة وقد نفيتم حقيقة معنى الفعل إلى قوله : ومقصود هذه المسألة الكشف عن هذا التلبيس فقط . قلت : أما هذا القول فلازم للفلاسفة لو كانوا يقولون ما قوّلهم إياه ، وذلك أنه يلزمهم على هذا الوضع أن لا يكون للعالم فاعل لا بالطبع ولا بالإرادة ولا شيء هو فاعل بغير هذين النحوين ، فليس ما قاله كشفا عن تلبيسهم ، وإنما التلبيس أنه ينسب إلى الفلاسفة ما ليس من قولهم . قال أبو حامد : الوجه الثاني في إبطال كون العالم فعلا للّه سبحانه على أصلهم بشرط في الفعل وهو أن الفعل عبارة عن الأحداث والعالم عندهم قديم وليس بحادث ومعنى الفعل إخراج الشيء من العدم إلى الوجود بأحداثه وذلك لا يتصور في القديم إذ الموجود لا يمكن إيجاده فإذا شرط الفعل أن يكون حادثا والعالم قديم عندهم فكيف يكون فعلا للّه تعالى . قلت : أما إن كان العالم قديما بذاته وموجودا لا من حيث هو متحرك