ابن رشد

103

تهافت التهافت

أول الأمر أن تقييده النظر بالعين قريب من أن يكون هدرا وأما إذا قال فعل بطبعه وفعل باختياره فلا يختلف أحد من العقلاء أن هذه قسمة للفعل ، ولو كان قوله فعل بإرادته مثل قوله نظر بعينه لكان قوله فعل بطبعه مجازا والفاعل بالطبع أثبت فعلا في المشهور من الفاعل بالإرادة ، لأن الفاعل بالطبع لا يخل بفعله وهو يفعل دائما ، والفاعل بالإرادة ليس كذلك ، ولذلك لخصومهم أن يعكسوا عليهم فيقولوا : بل قوله فعل بطبعه هو مثل قوله نظر بعينه وقوله فعل بإرادته مجاز سيما على مذهب الأشعرية الذين يرون أن الإنسان ليس له اكتساب ولا له فعل مؤثر في الموجودات ، فإن كان الفاعل الذي في الشاهد هكذا فمن أين ليت شعري قيل أن رسم الفاعل الحقيقي في الغائب هو أن يكون عن علم وإرادة ؟ قال أبو حامد مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : تسمية الفاعل فاعلا إنما يعرف من اللغة إلى قوله فإن قلتم : أن ذلك كله مجاز كنتم متحكمين فيه من غير مستند . قلت : حاصل هذا القول هو احتجاج مشهور ، وهو أن العرب تسمي من يؤثر في الشيء وإن لم يكن له اختيار فاعلا حقيقيا لا مجازا فهو جواب جدلي فلا يعتبر في الجواب . قال أبو حامد مجيبا لهم : والجواب أن كل ذلك بطريق المجاز وإنما الفعل الحقيقي ما يكون بالإرادة . والدليل عليه أنّا لو فرضنا حادثا توقف في حصوله على أمرين أحدهما إرادي والآخر غير إرادي أضاف العقل الفعل إلى الإرادي . فكذلك اللغة فإن من ألقى إنسانا في نار فمات يقال هو القاتل دون النار حتى إذا قيل ما قتله إلا فلان صدق قائله إلى قوله : لم يكن صانعا ولا فاعلا إلا مجازا . قلت : هذا الجواب هو من أفعال البطالين الذين ينتقلون من تغليط إلى تغليط وأبو حامد أعظم مقاما من هذا ، ولكن لعل أهل زمانه اضطروه إلى هذا الكتاب لينفي عن نفسه الظنة بأنه يرى رأي الحكماء ، وذلك أن الفعل ليس ينسبه أحد إلى الآلة وإنما ينسبه إلى المحرك الأول والذي قتل بالنار هو الفاعل بالحقيقة والنار هي آلة القتلة ومن أحرقته النار من غير أن يكون لإنسان في ذلك اختيار ليس يقول أحد أنه أحرقته النار مجازا ، فوجه التغليط في هذا أنه احتج بما يصدق مركبا على ما هو بسيط ومفرد غير مركب ، وهو من مواضع