ابن رشد

102

تهافت التهافت

ثم قال : وأما قولكم أن قولنا فعل عام وينقسم إلى ما هو بالطبع وإلى ما هو بالإرادة غير مسلم وهو كقول القائل قولنا أراد عام وينقسم إلى مريد مع العلم بالمراد وإلى من يريد ولا يعلم ما يريد وهو فاسد إذ الإرادة تتضمن العلم بالضرورة فكذلك الفعل يتضمن الإرادة بالضرورة . قلت : أما قولهم أن الفاعل ينقسم إلى مريد وإلى غير مريد فحق ويدل عليه حد الفاعل ، وأما تشبيهه إياه بقسمة الإرادة إلى ما يكون بعلم وبغير علم فباطل ، لأن الفعل بالإرادة يؤخذ في حده العالم فكانت القسمة هدرا وأما قسمة الفعل فليس يتضمن العلم إذ قد يخرج من العدم إلى الوجود غيره من لا علم له وهذا بيّن ، ولذلك قال العلماء في قوله تعالى جدارا يريد أن ينقض أنه استعارة . ثم قال : أما قولكم : إن قولنا فعل بالطبع ليس ينقض للأول فليس كذلك فإنه نقض له من حيث الحقيقة ولكن لا يسبق إلى الفهم التناقض ولا يشتد نفور الطبع عنه لأنه يبقى مجازا فإنه لما أن كان سببا بوجه ما والفاعل أيضا سبب سمي فعلا مجازا . وإذا قال فعل بالاختيار فهو تكرير على التحقيق كقوله أراد وهو عالم بما أراده . قلت : هذا كلام لا يشك أحد في خطئه فإن ما أخرج غيره من العدم إلى الوجود ، أي فعل فيه شيئا لا يقال فيه أنه فاعل بمعنى التشبيه بغيره ، بل هو فاعل بالحقيقة لكون حد الفاعل منطبقا عليه وقسمة الفاعل إلى ما يفعل بطبعه وإلى ما يفعل باختياره ليس بقسمة اسم مشترك ، وإنما هي قسمة جنس ولمكان هذا كان قول القائل الفاعل فاعلان فاعل بالطبع وفاعل بالإرادة قسمة صحيحة إذ المخرج من القوة إلى الفعل غيره ينقسم إلى هذين القسمين . قال أبو حامد : إلا أنه لما تصور أن يقال فعل وهو مجاز ويقال فعل وهو حقيقة لم تنفر النفس عن قوله فعل بالاختيار وكان معناه فعل فعلا حقيقيا لا مجازا كقول القائل تكلم بلسانه ونظر بعينه فإنه لما جاز أن يستعمل النظر في القلب مجازا والكلام في تحريك الرأس واليد مجازا إذ يقال قال برأسه أي نعم لم يستقبح أن يقال قال بلسانه ونظر بعينه ويكون معناه نفي احتمال المجاز فهذه مزلة القدم فليتنبه لمحل انخداع هؤلاء الأغبياء . قلت : هذه مزلة ممن ينسب إلى العلم أن يأتي بمثل هذا التشبيه الباطل والعلة الكاذبة في كون النفوس مستشنعة لقسمة الفعل إلى الطبع وإلى الإرادة فإن أحدا لا يقول نظر بعينه وبغير عينه وهو يعتقد أن هذا قسمة للنظر ، وإنما يقول : نظر بعينه تقريرا للنظر الحقيقي وتبعيدا له من أن يفهم منه النظر المجازي ، ولذلك قد يرى العقل أنه إذا فهم من رآه أنه المعنى الحقيقي من