ابن رشد

101

تهافت التهافت

قلت : حاصل هذا الكلام جوابان : أحدهما : إن كل ما كان واجبا بغيره فهو مفعول للواجب بذاته وهذا الجواب معترض ، لأن الواجب بغيره ليس يلزم أن يكون الذي به وجب وجوده فاعلا إلا أن يطلق عليه حقيقة الفاعل وهو المخرج من القوة إلى الفعل . وأما الجواب الثاني وهو أن اسم الفاعل كالجنس لما يفعل بالاختيار والروية ، ولما يفعل بالطبع فهو كلام صحيح ويدل عليه ما حددنا به اسم الفاعل لكن هذا الكلام يوهم أن الفلاسفة لا يرون أنه مريد . وهذه القسمة غير معروفة بنفسها ؛ أعني أن كل موجود إما أن يكون واجب الوجود بذاته أو موجودا بغيره . قال أبو حامد رادا على الفلاسفة : قلنا : هذه التسمية فاسدة فإنّا ليس نسمي كل سبب بأي وجه كان فاعلا ولا كل مسبب مفعولا ولو كان كذلك لما صح أن يقال أن الجماد لا فعل له وإنما الفعل للحيوان وهذا من الكلمات المشهور الصادقة . قلت : أما قوله : إنه ليس يسمي كل سبب فاعلا فحق ، وأما احتجاجه على ذلك بأن الجماد لا يسمى فاعلا فكذب ، لأن الجماد إذا نفي عنه الفعل فإنما ينفي عنه الفعل الذي يكون عن العقل والإرادة لا الفعل المطلق إذ نجد لبعض الجمادات الحادثة إيجادات تخرج أمثالها من القوة إلى الفعل مثل النار التي تقلب كل رطب ويابس نارا أخرى مثلها ، وذلك بأن تخرجها عن الشيء الذي هي فيه بالقوة إلى الفعل ولذلك كل ما ليس فيه قوة ولا استعداد لقبول فعل النار فيه فليس النار فاعلة فيه مثلها وهم يجحدون أن تكون النار فاعلة ، وستأتي هذه المسألة وأيضا فلا يشك أحد أن في أبدان الحيوان قوى طبيعية تصير الغذاء جزءا من المتغذي ، وبالجملة تدبر بدون الحيوان تدبيرا لو توهمناه مرتفعا لهلك الحيوان كما يقول جالينوس ، وبهذا التدبير نسميه حيا وبعدم هذه القوى فيه يسمى ميتا . ثم قال : فإن سمي الجماد فاعلا فباستعارة كما قد يسمى طالبا مريدا على سبيل المجاز . قلت : أما إذا سمي فاعلا يراد به أنه يفعل فعل المريد فهو مجاز ، كما أنه إذا قيل أنه يطلب وأنه مريد ، وأما إذا أريد به أنه يخرج غيره من القوة إلى الفعل فهو فاعل حقيقة بالمعنى التام .