شمس الدين الشهرزوري
2
شرح حكمة الاشراق
وكيف لا يكون كذلك ، وقد تحيّرت في كنه عظمتك عقول العقلاء ، وانطمست في أدنى طبقة من انوارك افهام الفهماء ؟ غرقت في ابحر لجج سناء معرفتك الباب الألباء ، وخرست في التعبير عن أحوال ربوبيتك السن الفصحاء والخطباء ؛ فلك الحمد على ما أسبلت من الغطاء « 4 » ودفعت من البلاء . ولك الشكر على ما أوليت من النعماء وجلوت « 5 » البصر عن الظلمة والعماء ، حمدا يرفعنا عن حضيض الكدر إلى أوج الأنوار والأضواء ومصدر الجود والسخاء . وأشهد أن لا إله الا اللّه وحده لا شريك له شهادة تطهّرنا من دنس الطبائع والأهواء ، وتجذبنا إلى عوالم الفسحة والفضاء . ثم الصلاة والسلام على ملوك حضاير القدس ، ورؤساء بقاع الأنس ، لا سيّما المبعوث إلى العرب والعجم ، والمخصوص بالشرف والكرم ، محمد المصطفى أفضل الأنبياء والأولياء وأعظم السالكين والأصفياء ، صلّ اللّه عليه وعلى آله وأصحابه نجوم المهتدين ، ورجوم الشياطين ، وسلّم تسليما كثيرا . وبعد « 6 » ، فان المقصود من هبوط النفس الناطقة من العالم العلوي العقلي إلى العالم السفلى الظلماني لكي تستكمل بالعلوم والمعارف الحقيقية لخلوّها في أوّل الأمر عن ذلك ، ولما لم يمكنها الوصول إلى تلك العلوم الا بعد الكدّ والاجتهاد في زمان طويل ؛ وذلك لا يكون الا بمعاونة البدن وقواه . والبدن لا يقوم الا بالأغذية والملابس والمساكن وما يتبعها من الأمور اللذيذة ؛ فوجب أن تكون هذه الأشياء مقدّرة محدودة مضبوطة بالاعتدال ، لئلّا تخرج عنه إلى أحد طرفي الافراط والتفريط . فتكون بالأوّل خارجة عن الحكمة التي لأجلها خلقت اللّذات البدنية
--> ( 4 ) ط : أسألت من العطاء . س : اسبلت من العطاء ( 5 ) ط : جلوب ( 6 ) ط : امّا بعد