شمس الدين الشهرزوري
628
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية
وذكر الحكماء وجها لميّا عاما في أنّ كل واحد من الموجودات لا يخلو عن العشق ، فقالوا : إنّ جميع هويات الموجودات كما لم يكن وجودها من ذاتها بل من عللها الفيّاضة ، فكذلك كمالاتها مستفادة من تلك العلل التي لها . ولمّا لم تكن تلك العلل قاصدة لإيجاد شيء من الموجودات ولا شيء من كمالاتها ، وجب في الحكمة « 1 » الإلهية والعناية الربانية حسن التدبير وجودة « 2 » النظام أن يكون في كل موجود عشق كلي ليكون بذلك حافظا لما حصل له من الكمالات اللائقة به ، ومشتاقا إلى تحصيلها عند فقدانها ؛ فيكون ذلك سببا للنظام الكلي وحسن الترتيب الجزئي . وهذا العشق الموجود في كل واحد من أعيان الموجودات غير مفارق لها ، إذ لو جاز مفارقتها « 3 » لافتقرت إلى عشق آخر يكون حافظا للعشق الأوّل عند وجوده ويسترده عند عدمه ويصير أحد العشقين معطلا وذلك محال . فعلم أنّ العشق سار في جميع الموجودات وأجزائها لا يجوز خلوّ شيء منها عنه ؛ فجميع الموجودات بحسب ما لها من الكالات اللائقة بها « 4 » طالبة لكمالات الواجب الوجود لذاته متشبّهة به في تحصيل ذلك الكمال . فالبارئ - جلّ شأنه وتقدّست أسماؤه - هو غاية جميع الموجودات ونهاية مرامها « 5 » ؛ فالعشق والشوق سبب وجود الموجودات على كمالاتها الممكنة لها « 6 » وسبب دوامها وثباتها . ولولا العشق والشوق ما أمكن حدوث حادث في هذا العالم الجسماني ولا يكون « 7 » متكون في عالم الكون والفساد ؛ وللشيخ الرئيس أبى علي بن سينا رسالة لطيفة في العشق ، وفي كيفية سريانه في جميع أنواع الموجودات وأشخاصها ، خلاصتها ما ذكرناه . وأنت إذا تأمّلت ما ذكرناه في مباحث أرباب الأنواع وأصحاب الأصنام و
--> ( 1 ) . د : وجب للحكمة . ( 2 ) . ن : وجودة . ( 3 ) . د : مفارقها . ( 4 ) . ش : لها . ( 5 ) . د : الموجودات نهاية مراتبها . ( 6 ) . د : - الممكنة لها . ( 7 ) . ش : ويكون .