شمس الدين الشهرزوري
583
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية
ولا يلزم من كون المزاج الإنساني الأشرف مستدعيا للنفس الناطقة من العقل المفارق أن يكون المزاج الأخسّ الذي لباقي الحيوانات المنتكسة مستدعيا لذلك ، بل الحيوانات الصامتة بخواص أمزجتها وتنوّع أخلاقها مستدعية لانتقال النفوس الناطقة المفارقة للأبدان الإنسانية إليها مستعدة للتعلق بها بحسب الملكات والأخلاق والهيئات الردية : فإن كانت النفس المفارقة للبدن الإنساني اكتسبت فيه الهيئات الردية وكانت قوية « 1 » في الكم والكيف ، تعلقت بالبدن المناسب لها ، وهو الذي فيه « 2 » تلك الهيئات والأخلاق الردية قوية في الكم والكيف . وإن كانت ضعيفة فتتعلق بالحيوان الذي فيه تلك الهيئات الردية ضعيفة . وإن كانت متوسطة فبالمتوسط ؛ فإنّ النفس إذا فارقت البدن وهي عاشقة للشهوات الجسمانية ومشتاقة إلى العلائق الظلمانية غير عالمة بذاتها ولا بعللها النورانية وجواهرها الروحانية ، فهي لشدة شوقها إلى الظلمات البدنية منجذبة إلى أسفل السافلين ومأوى المجرمين ؛ فإنّ العالم الجسماني وما فيه من الأجسام النوعية كل واحد منها - ما ذكرناه - مشتاق بطبعه إلى نور عارض ليظهره ونور مجرد ليدبّره . وكانت الأبدان الحيوانية غير مستعدة لقبول فيض الأنوار المجردة من العقل المفارق بل النفوس الواصلة إليها المتعلقة بها منتقلة إليها من الأبدان الإنسانية ، فهي لذلك متعطّشة إلى تلك الأنوار ومشتاقة إلى التعلق بها ؛ فهي بما فيها من خواص الأمزجة والقوى ، جاذبة لها ؛ والنفوس بما فيها من الهيئات الردية المناسبة لتلك الأمزجة ، منجذبة إليها ؛ فإنّ الحكمة التي لأجلها وجب تعلق النفس بالبدن من الحاجة إلى الاستكمال بعد باق ، لأنّ كلامنا في النفوس المفارقة للأبدان بدون تحصيل الكمالات الإنسانية ؛ فوجب تعلقها بالأبدان الحيوانية المناسبة لملكاتها الردية من غير أن يرتقي من النفوس الحيوانية إلى الأبدان الإنسانية شيء .
--> ( 1 ) . ن : قوة . ( 2 ) . ن : فهي .