شمس الدين الشهرزوري
584
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية
بل الحق هو الانحدار من الأبدان الإنسانية إلى سائر الحيوانات بحسب الهيئات المذكورة ، ولكل خلق من الأخلاق المذمومة نوع من الحيوانات المنتكسة . وبحسب شدة ذلك الخلق وضعفه وما ينضمّ إليه من باقي الأخلاق السيئة والحسنة يختلف تعلق تلك النفوس الموصوفة بذلك بآحاد أشخاص ذلك النوع من الحيوان . فإنّ النوع المناسب للشر من الحيوان إنّما هو الكلب ، مع أنّك ترى بعض الكلاب أشر من بعض وهو أكثر عذابا وبلاء من غيره وبعضها أقل شرّا أكثر تنعّما وتلذّذا واستراحة من غيره : فترى بعض كلاب الصيد لها الثياب الفاخرة والمآكل الحسنة والمساكن الطيّبة ، حتى أنّ بعضهم يجلس مع الملك على سريره ويشاركه في طعامه وشرابه ، وليس ذلك إلّا لأنّ خلق الشر المقتضي لتعلق تلك النفوس التي فيها ذلك الخلق بأبدان الكلاب له حدّ معيّن من الشدة والضعف ، متى بلغت النفس الناطقة إلى ذلك الحدّ فبعد المفارقة يجب تعلقها بأبدان الكلاب . وبحسب شدة هذا الخلق وضعفه وما ينضم إليه من باقي الأخلاق الردية والحسنة يختلف التعلق باشخاص الكلاب الشديدة الشرّ والضعيفة المعذّبة والمنعّمة ، على ما ذكرنا . وكذا حكم باقي الأخلاق بالنسبة إلى باقي الحيوانات وقد أشار الكتاب الإلهي إلى هذا المعنى في عدة مواضع كقوله تعالى : وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ « 1 » وقوله تعالى : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها « 2 » وما جاء بالمجازاة « 3 » بالأعمال وكتابتها في الرّق المنشور والحساب عليها يوم القيمة التي هي حالة المفارقة كله من هذا القبيل وهو كثير في القرآن « 4 » . وكذلك في الأحاديث النبوية كقوله : « إنّما هي أعمالكم تردّ إليكم » وأمثاله كثير .
--> ( 1 ) . سورهء زمر ، آيهء 48 . ( 2 ) . سورهء غافر ، آيهء 40 . ( 3 ) . ن : بالمجزاة . ( 4 ) . ب : الأقران .