شمس الدين الشهرزوري

575

رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية

نرى زيادة القوة وشدتها تتبع عظم الجثة وكبر الجسم أكثر ممانعة للمحرّك عن الحركة من الجسم الأصغر ؛ ولو كان ذلك هو العلة وجب اطّرادها وليس كذا ، لأنّ بعض الحيوانات التي هي أصغر من الإنسان قد تكون قوته أقوى وأشد من الإنسان فليست الشدة لذلك أيضا ، فلم يبق ما يصلح أن يكون علة وسببا لشدة القوة إلّا نفس الحيوان . فيجب أن تكون جوهرا مجردا عن المادة وإلّا لو كانت منطبعة في أبدانها لزم أن تكون النفوس المنطبعة التي هي أعراض حالّة في حواملها ، أقوى من النفوس الإنسانية التي هي جوهر مجرد عن المادة قائم بذاته ، وذلك ظاهر الاستحالة . الوجه الثاني ، إنّ النفوس الحيوانية مدركة للكليات العقلية وكل نفس كانت مدركة للكليات العقلية فهي مجردة عن المادة ؛ ينتج القياس أنّ « نفوس الحيوانات مجردة عن المادة » ؛ أمّا بيان كونها مدركة للكليات العقلية فلأنّ الفرس والحمار وغيرهما من سائر الحيوانات يحترز عن الوقوع في البئر والجبّ ويحترز أيضا عن الأسد والذئب وغيرهما من المهلكات ؛ فاحترازها ذلك إمّا أن يكون عن بئر أو جبّ أو أسد أو ذئب معيّن مصوّر في خياله ، أو لا يكون ذلك الاحتراز عن شيء منها على التعيين بل كان ذلك على الوجه الكلي : لا جائز أن يكون الاحتراز عن شيء معيّن منها وإلّا لما وقع الاحتراز عمّا خالفه في المقدار والشكل واللون والوضع وغير ذلك من الأحوال ، لكنه قد وقع الاحتراز عمّا خالفه في ذلك ؛ فليس احتراز الحيوانات عن أمر معين من هذه الأشياء فهو لإمر كلّي عقلي . وذلك يقتضي أن تكون النفوس الحيوانية مدركة للأمور الكلية العقلية ، وقد عرفت في العلم الطبيعي أنّ كل نفس مدركة للكليات العقلية فهي لا محالة مجردة عن المادة قائمة بذاتها ؛ فنفوس الحيوانات جواهر مجردة عن المادة فيجب انتقالها إلى الأبدان « 1 » الإنسانية واستكمالها فيها ثم الترقي إلى السعادات

--> ( 1 ) . ش : - الأبدان .