شمس الدين الشهرزوري
576
رسائل الشجرة الإلهية في علوم الحقائق الربانية
المختلفة المناسبة لجواهرها النورانية ؛ فإنّ العناية الأزلية تقتضي إيصال « 1 » كل شيء إلى كماله المستعدّ له ، وسعادته اللائقة « 2 » به إمّا بالترقي إلى الأبدان الإنسانية ، أو بحصول لذة بعد المفارقة البدنية ؛ لكن حصول اللذة العقلية من العقل المفارق ممتنع من غير واسطة اكتساب العلوم النظرية التي لا يمكن تحصيلها إلّا بالتعلق بالبدن الإنساني ؛ فوجب من ذلك انتقال النفوس الحيوانية إلى الأبدان الإنسانية لاكتساب الكمالات العقلية فيها . والحدس الصحيح والذوق الروحاني السليم والفكر المستقيم والخلوات والرياضات وصفاء النفس من الكدورات البدنية والعادات الدنيّة كلّها تشهد بصحة هذه الأمور المذكورة . ويمكن أن تكون هذه المسألة من إحدى عشرة مسألة كتمها « 3 » المعلم الأوّل أرسطاطاليس لمصلحة سياسية وحكمة مدنية ؛ فإنّه نقل عنه أنّه رجع عمّا ذهب إليه من إبطال التناسخ وانتقال النفوس في الاستكمال من بدن إلى بدن حتى تنتهي إلى غاية كمالها في البدن الإنساني ، إلى مذهب إمامه وشيخه أفلاطن الإلهي وسائر مذاهب القدماء الأقدمين ؛ وبقي المشهور في كتبه منع التناسخ للمصلحة المذكورة . ويجوز أن يكون النظر العقلي أدّاه إلى وجوب التناسخ بعد ما كان منعه في الأوّل . وقد يستدلّون أيضا بأخلاق الحيوانات وأفعالها وأعمالها على أنّ لها نفوسا ناطقة مجردة ، كتكبّر الأسد وصنائع النحل وأحوال العنكبوت وتلذّذ الإبل والبلبل بالسماع والنغمات الموسيقية ؛ حتى أنّ الإبل التي فنيت قوّتها في السير بالأحمال الثقلية ، إذا سمعت الحداء نشطت نشاطا عظيما وتجددت قوّتها ونسيت جميع النصب والتعب ؛ وغير ذلك من الأفعال والأعمال والأخلاق التي ذكرناها في كتاب الحيوان لهذه المصلحة « 4 » .
--> ( 1 ) . ن : اتصال . ( 2 ) . ش : اللائق . ( 3 ) . ن : كمنها . ( 4 ) . رسائل الشجرة الإلهية ، ج 2 ، آخرين فصل كتاب .