أبو علي سينا
42
عيون الحكمة
الإنسان حتى يكون ما يشاكل فيها نفس تلك الماهيّة . وهذا يظهر بأدنى تأمّل . والحسّ كأنه نزع تلك الصورة عن المادة أخذها في نفسه ، لكن نزع إذا غابت المادة غاب ، ونزع مع العلائق العرضيّة المادّية . فإذن لا مخلص للحسّ إلى مجرّد الصورة . - وأما الخيال فإنه قد يجرّد الصورة تجريدا أكبر من ذلك ، وذلك أنه يستحفظ الصورة وإن غابت المادّة . لكن ما يتراءى للخيال من الصورة المأخوذة عن الإنسان مثلا لا تكون مجردة عن العلائق المادّية ، فانّ الخيال ليس يتخيّل صورة إلّا على نحو ما من شأن الحسّ أن يؤدّى إليه . - وأما الوهم فإنه وإن استثبت معنى غير محسوس فلا يجرّده إلّا متعلقا بصورة خيالية . فإذن لا سبيل لشئ من هذه القوى أن يتصوّر ماهية شيء مجردة عن علائق المادّة وزوائدها إلا للنفس الإنسانية ، فإنها التي تتصوّر كل شئ بحدّه كما هو منقوصة عنه العلائق المادّية ، وهو المعنى الذي من شأنه أن يوقع على كثيرين كالإنسان من حيث هو إنسان فقط . فإذا تصوّر هذه المعاني تعدّى التصور إلى التصديق بأن يؤلّف منها على سبيل القول الجازم . فالشيء في الإنسان الذي تصدر عنه هذه الأفعال يسمى نفسا ناطقة ؛ وله قوّتان : إحداهما معدّة نحو العمل ووجهها إلى البدن وبها يميّز بين ما ينبغي أن يفعل وبين ما لا ينبغي أن يفعل ، وما يحسن ويقبح من الأمور الجزئية - ويقال له العقل العملىّ ، ويستكمل في الناس بالتجارب والعادات ؛ والثانية قوّة معدة نحو النظر والعقل الخاص بالنفس ووجهها إلى فوق ، وبها ينال الفيض الإلهى . وهذه القوة قد تكون بعد بالقوة لم تفعل شيئا ولم تتصوّر ، بل هي مستعدة لأن تعقل المعقولات ، بل هي استعداد ما للنفس نحو تصوّر المعقولات - وهذا يسمّى العقل بالقوة والعقل الهيولاني . وقد تكون قوة أخرى أخرج منها إلى الفعل ، وذلك بأن تحصل