أبو علي سينا
43
عيون الحكمة
[ 16 ا ] للنفس المعقولات الأولى على نحو الحصول الذي نذكره ، وهذا يسمّى العقل بالملكة . ودرجة ثالثة هي أن تحصل للنفس المعقولات المكتسبة فتحصل النفس عقلا بالفعل ؛ ونفس تلك المعقولات تسمّى عقلا مستفادا . ولأنّ كل ما يخرج من القوة إلى الفعل فإنما يخرج بشيء يفيده تلك الصورة ، فاذن العقل بالقوة إنما يصير عقلا بالفعل بسبب يفيده المعقولات ويتصل به أثره ، وهذا الشئ هو الذي يفعل العقل فينا . وليس شئ من الأجسام بهذه الصفة . فاذن هذا الشئ عقل بالفعل وفعّال فينا فيسمى عقلا فعّالا ، وقياسه من عقولنا قياس الشمس من أبصارنا : فكما أن الشمس تشرق على المبصرات فتوصّلها بالبصر ، كذلك أثر العقل الفعال يشرق على المتخيّلات فيجعلها بالتجريد عن عوارض المادّة معقولات فيوصلها بأنفسنا . فنقول : إن إدراك المعقولات شئ للنفس بذاتها من دون آلة ، لأنّك قد علمت أن الأفعال التي بالآلة كيف ينبغي أن تكون ، ونجد أفعال النفس مخالقة لها . ولو كان تعقل بآلة لكان تعقل الآلة دائما ، لأنها لم تخل : إما أن تعقل الآلة بحصول صورة الآلة ، أو بحصول صورة أخرى . ومحال أن يعقل الشئ بصورة شئ آخر . فإذن تعقله بصورته . فإذن يجب أن تحصل صورته . وحصول صورته لا يخلو من وجوه : إمّا أن تحصل الصورة في نفس النفس مباينة للآلة ، أو تحصل الصورة في نفس الآلة ، أو تحصل الصورة فيهما جميعا . فان كانت الصورة تحصل في النفس وهي مباينة فلها فعل خاص لأنها قد قبلت الصورة من غير أن حلّت تلك الصورة معها في الآلة . فإن كان حصول الصورة في الآلة ، فيجب أن يكون العلم بها دائما إذ « 1 » كان العلم بحصول
--> ( 1 ) ص : إذا .