أبو علي سينا

41

عيون الحكمة

ففعل ليس يصدر عن مجرّد ذاتها . وأما الإدراك الخاصّ ففعل يصدر عن مجرّد ذاتها من غير حاجة إلى البدن . ولنفسّر كل واحد من هذه : فأما الأفعال التي تصدر عنها بمشاركة البدن والقوى البدنيّة : فالتعقّل والروية في الأمور الجزئية فيما ينبغي أن يفعل وما لا ينبغي أن يفعل بحسب الاختيار . ويتعلق بهذا الباب استنباط الصناعات العملية والتصرف فيها كالملاحة والفلاحة والصباغة والنجارة . وأما الانفعالات فأحوال تتبع استعدادات تعرض للبدن مع مشاركة النفس الناطقة ، كالاستعداد للضحك والبكاء والخجل والحياء والرحمة والرأفة والأنفة وغير ذلك . وأما الذي يخصها - وهو الإدراك - فهو التصوّر للمعاني الكلية . وبنا حاجة أن نصوّر لك كيفية هذا الإدراك فنقول : إن كل واحد من أشخاص الناس مثلا هو إنسان ، لكن له أحوال وأوصاف ليست داخلة في أنه إنسان ، ولا يعرى هو منها في الوجود مثل حدّه في قدّه ولونه وشكله والملموس منه وسائر ذلك - فإن تلك كلها ، وإن كانت إنسانية ، فليست بشرط في أنه إنسان ، وإلا لتساوى فيها كلها أشخاص الناس كلهم . ومع ذلك فإنّا نعقل أن هناك شيئا هو الإنسان . وبئس ما قال من قال : إن الإنسان هو هذه الجملة المحسوسة ! فانّك لا تجد جملتين بحالة واحدة . وهذه الأحوال الغريبة تلزم الطبيعة من جهة قبول مادتها صورتها : فان كلّ واحد من أشخاص الناس تتفق له مادة على مزاج واستعداد خاصّ . وكذلك يتفق له وقت وزمان وأسباب أخرى تعاون على إلحاق هذه الأحوال للماهيات من جهة موادّها . ثم الحسّ - إذا أدرك الإنسان - فإنه تنطبع فيه صورة ما للإنسان [ 15 ب ] من حيث هي مخالطة هذه الأعراض والأحوال الجسمانية . ولا سبيل لها إلى أن ترتسم فيها مجرّد ماهية