أبو علي سينا
18
عيون الحكمة
وكل جسم حادث أو متغيّر فيفتقر ، من حيث هو كذلك ، إلى عدم سبقه لولاه لكان أزلىّ الوجود . وكل جسم يتحرك فحركته إما من سبب خارج ، وتسمى حركة قسرية ، وإما من سبب في نفس الجسم ، إذ الجسم لا يتحرك بذاته ؛ وذلك السبب إن كان محركا على جهة واحدة على سبيل التسخير فيسمى طبيعة . وإن كان محركا حركات شتى بإرادة أو غير إرادة ، أو محركا حركة واحدة بإرادة فيسمى نفسا . أسباب الأشياء أربعة : مبدأ الحركة ، مثل البنّاء للبيت ؛ المادة ؛ مثل الخشب والطين للبيت ؛ الصورة مثل هيئة البيت للبيت « 1 » ؛ الغاية مثل الاستكنان للبيت . وكل واحد من ذلك إما قريب وإما بعيد ، إمّا عام وإما خاصّ ، إما بالقوة وإما بالفعل [ 6 ب ] ، إما بالحقيقة وإما بالعرض . الطبيعة سبب على أنه مبدأ لحركة ما هي فيه ومبدأ لسكونه « 2 » بالذات لا بالعرض . الحركة كمال أول لما بالقوة من حيث هو بالقوة : وهو كون الشئ على حال لم يكن قبله ولا بعده يكون فيه ، سواء كان تلك الحال أينا أو كيفا أو كمّا أو وضعا ، كالشىء يكون على وضع في مكان لم يكن قبله ولا بعده فيه ولا تفارق كليته مكانه . الحركة التي من كم إلى كم تسمى حركة نمو أو تخلخل إن كان إلى الزيادة ، وتسمى حركة ذبول أو تكاثف إن كان إلى النقصان . التخلخل الحقيقي أن يصير للمادة حجم أعظم من غير زيادة شئ من خارج عليه أو إيقاع فرج فيه ؛ والتكاثف ضده . الحركة من كيف إلى كيف تسمّى استحالة مثل الاسوداد والابيضاض .
--> ( 1 ) ب : مبدأ الحركة مثل النجار للبيت ، المادة مثل الخشب واللبن للبيت ؛ الصورة مثل نفس البيت للبيت . ( 2 ) ب : ومبدأ سكونه .