أبو علي سينا
تصدير 11
عيون الحكمة
ذلك المرام فإذا جاء بعدهم أقوام أكثر جهالة من الأولين وأقوى ضلالة من أولئك السابقين فربما ظنوا بتلك الحواشى أنها من متن الكتاب ، وأنها ليست من القشر بل من اللباب ، فحينئذ يدخلونه في متن المصنف الأول ، ويصير ذلك سببا لحصول كل خلل وزلل . ولقد شاهدت هذا النوع من التحريف والتخريف في مصنفاتى ومؤلفاتى ، وكنت أبالغ في إزالتها عن متن الكتاب لئلا يحصل ما يوجب الارتياب والاضطراب . فإذا وقع هذا والمدة أقل من ثلاثين ، فلأن يقع والمدة زادت على المائة والخمسين كان أولى ! وإنما ذكرت هذا العذر لاشتمال هذا الكتاب في كثير من المواضع على كلمات كثيرة الخبط بعيدة عن الضبط ، يبعد عندي أن يكون قائلها هو هذا المصنف الذي كان في قوة القريحة آية ، وفي جودة الفكر والنظر غاية . فغلب على ظني أن السبب في اختلاط تلك الكلمات المثبجة « 1 » والتركيبات المعوجة ما ذكرناه وقررناه . ولمثل هذا السبب فكثيرا ما يقول جالينوس في شرحه لكتاب « الفصول » « 2 » : « إن هذا فصل مدلس على بقراط » - إذ كان يجد ذلك الفصل كثير الزلل شديد الاختباط . - ثم إن ملتمس « 3 » الشرح والتفسير ما صرفه عن شدة الالتماس شئ من هذه المعاذير ؛ فكتبت في هذا المطلوب الرفيع والمقصود المنيع هذا الكتاب الذي يرشد العقل إلى أقاصي منازل السائرين إلى اللّه جل وعز ، ويهدى الفكر إلى غايات معارج السياحين في بيداء دلائل اللّه ، واكتفيت بالكلام القوى والبحث السّرىّ والمنهج الواضح والطريق اللائح . وصنت القلم عن فتح باب المشاتمات ، والكاغد عن التسويد بالمباهلات والملاعنات . وما سعيت البتة في إخفاء حق أو ترويج باطل ؛ بل كل ما غلب على ظني صحته ، قدرته بمقدار
--> ( 1 ) تبج الكلام ( بفتح الباء المشددة أو المخففة ) : لم يأت به على وجهه ؛ ثبج الخط : عماه . ( 2 ) كتاب الفصول AGoplouoi لبقراط . ( 3 ) أي تلميذه محمد بن رضوان بن منوجهر ملك شروان .