أبو نصر الفارابي
44
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
لا نسبة لادراكنا نحن إلى ادراكه ، ولا لمعلومنا إلى معلومه ، ولا للأجمل عندنا إلى الأجمل من ذاته ؛ وان كانت له نسبة فهي نسبة ما يسيرة . فإذن لا نسبة لالتذاذنا وسرورنا واغتباطنا لأنفسنا إلى ما للأول من ذلك . وان كانت له نسبة فهي نسبة يسيرة جدا . فإنه كيف يكون نسبة لما هو جزء يسير إلى ما مقداره غير متناه في الزمان ، ولما هو أنقص جدا إلى ما هو في غاية الكمال « 1 » ؟ وان كان ما يلتذ بذاته ويسر به أكثر ويغتبط به اغتباطا أعظم ، فهو يحب ذاته ويعشقها ويعجب بها أكثر ، فإنه بيّن أن الأول يعشق ذاته ويحبها ويعجب بها اعجابا بنسبته « 2 » . ونسبته إلى عشقنا لما نلتذ به من فضيلة ذاتنا كنسبة فضيلة ذاته هو ، وكمال ذاته ، إلى فضيلتنا نحن وكمالنا الذي نعجب به من أنفسنا ، والمحب منه هو المحبوب بعينه ، والمعجب منه هو المعجب منه ، والعاشق منه هو المعشوق . وذلك على خلاف ما يوجد فينا ، فان المعشوق منا هو الفضيلة والجمال ، وليس العاشق منا هو الجمال والفضيلة . لكن للعاشق قوة أخرى ، فتلك ليست للمعشوق ؛ فليس العاشق منا هو المعشوق بعينه . فأما هو فان العاشق منه هو بعينه المعشوق ، والمحب هو المحبوب ، فهو المحبوب الأول والمعشوق الأول ، أحبه غيره أو لم يحبه ، وعشقه غيره أو لم يعشقه « 3 » .
--> ( 1 ) لا نسبة بين لذتنا ولذة الله . ( 2 ) الله يحب ذاته فهو المحب والمحبوب . ( 3 ) اما الانسان فالمحب هو الذات والمحبوب هو الفضيلة والجمال .