أبو نصر الفارابي
40
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
كذلك قياس السبب الأول والعقل الأول والحق الأول ، وعقولنا نحن . ليس نقص معقوله عندنا لنقصانه في نفسه ، ولا عسر إدراكنا له لعسره في وجوده ، لكن لضعف قوى عقولنا نحن عسر تصوره « 1 » . فتكون المعقولات التي هي في أنفسنا ناقصة ، وتصورنا لها ضعيف . وهذا على ضربين : ضرب ممتنع من جهة ذاته أن يتصور فيعقل تصورا تاما لضعف وجوده ونقصان ذاته وجوهره ، وضرب مبذول من جهة فهمه وتصوره على التمام وعلى أكمل ما يكون . ولكن أذهاننا وقوى عقولنا ممتنعة ، لضعفها وبعدها عن جوهر ذلك الشيء ، من أن نتصوره على التمام وعلى ما هو عليه من كمال الوجود . وهذان الضربان كل واحد منهما هو من الآخر في الطرف الأقصى من الوجود : أحدهما في نهاية الكمال ، والآخر في نهاية النقص « 2 » . ويجب إذا كنا نحن ملتبسين بالمادة ، كانت هي السبب في أن صارت جواهرنا جوهرا يبعد عن الجوهر الأول ، إذ كلما قربت
--> ( 1 ) يعسر علينا ادراك الله لشدة كماله وعظمته من جهة ولضعف قوى عقولنا وملامستها المادة من جهة ثانية . ( 2 ) تكون المعقولات في أنفسنا ناقصة لسببين 1 ) إما لضعف وجود المعقولات ونقصان جوهرها 2 ) وإما لشدة تمامها .