أبو نصر الفارابي
37
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
وكذلك الحال في أنه عالم ؛ فإنه ليس يحتاج في أن يعلم إلى ذات أخرى يستفيد بعلمها الفضيلة خارجة عن ذاته ؛ ولا في أن يكون معلوما إلى ذات أخرى تعلمه ، بل هو مكتف بجوهره في أن يعلم ويعلم . وليس علمه بذاته شيئا سوى جوهره ، فإنه يعلم وإنه معلوم وإنه علم . فهو ذات واحدة وجوهر واحد « 1 » . وكذلك في أنه حكيم . فإن الحكمة هي أن يعقل أفضل الأشياء بأفضل علم ، وبما يعقل من ذاته ويعلمه يعلم أفضل الأشياء . وأفضل العلم هو العلم الدائم الذي لا يمكن أن يزول ، وذلك هو علمه بذاته « 2 » . وكذلك في أنه حق . فإن الحق يساوق الوجود ، والحقيقة قد تساوق الوجود ، فإن حقيقة الشيء هي الوجود الذي يخصه . وأكمل الوجود هو قسطه من الوجود ؛ وأيضا فإن الحق قد يقال على المعقول الذي صادف به العقل الموجود حتى يطابقه . وذلك الموجود من جهة ما هو معقول ، يقال له إنه حق ، ومن جهة ذاته من غير أن يضاف إلى ما يعقله يقال إنه موجود . فالأول يقال إنه حق بالوجهين جميعا ، بأن وجوده الذي هو له أكمل الوجود ، وبأنه معقول صادف به الذي عقله الموجود على ما هو موجود . وليس يحتاج في أن يكون حقا بما هو معقول إلى ذات أخرى خارجة عنه تعقله . وأيضا أولى بما يقال عليه حق بالوجهين جميعا . وحقيقته ليست هي شيئا سوى أنه حق « 3 » .
--> ( 1 ) ذات الله هي العالمة والمعلومة . ( 2 ) الحكمة هي معرفة أفضل الأشياء . ( 3 ) الله حق أي موجود ، الله حق أي معقول .