أبو نصر الفارابي
38
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
وكذلك في أنه حيّ ، وأنه حياة . فليس يدل بهذين على ذاتين ، بل على ذات واحدة . فإن معنى الحيّ أنه يعقل أفضل معقول بأفضل عقل ، أو يعلم أفضل معلوم بأفضل علم . كما أن إنما يقال لنا أحياء أولا ، إذا كنا ندرك أحسن المدركات بأحسن ادراك . فإنّا إنما يقال لنا أحياء إذا كنا ندرك المحسوسات ، وهي أحسن المعلومات ، بالاحساس الذي هو أحسن الادراكات ، وبأحسن القوى المدركة وهي الحواس . فما هو أفضل عقل إذا عقل وعلم أفضل المعقولات بأفضل علم ، فهو أحرى أن يكون حيا ، لأنه يعقل من جهة ما هو عقل ، وانه عاقل وانه عقل ، وانه عالم وانه علم ، هو فيه معنى واحد . وكذلك أنه حي ، وأنه حياة ، معنى واحد « 1 » . وأيضا فإن اسم الحي قد يستعار لغير ما هو حيوان ، فيقال على كل موجود كان على كماله الأخير ، وعلى كل ما بلغ من الوجود والكمال إلى حيث يصدر عنه ما من شأنه أن يكون منه ، كما من شأنه أن يكون منه . فعلى هذا الوجه إذا كان الأول وجوده أكمل وجود ، كان أيضا أحقّ باسم الحيّ من الذي يقال على الشيء باستعارة « 2 » . وكل ما كان وجوده أتم فإنه إذا علم وعقل كان ما يعقل عنه ويعلم منه أتم ، إذا كان المعقول منه في نفوسنا مطابقا لما هو موجود منه : فعلى حسب وجود الخارج عن نفوسنا يكون معقوله في نفوسنا مطابقا
--> ( 1 ) الله حي بمعنى أنه عاقل وعالم . ( 2 ) اسم الحي يطلق على غير الحيوان ، يطلق على كل كامل مثل الله .