أبو نصر الفارابي

156

آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها

هذه الخيرات كلها أو بعضها ليفوز بها آخرون ، ممن يعجز عن المجاهدة بأخذها وبالغلبة عليها . فإن المتمسّك بهذه يظنّ به أنه غير حريص عليها ، ويظن به الخير ؛ فيركن إليه ولا يحذر ولا يتقى ولا يتهم ، بل يخفى مقصده وتوصف سيرته أنها الإلهية ؛ فيكون زيّه وصورته وصورة من لا يريد هذه الخيرات لنفسه ؛ فيكون ذلك سببا لأن يكرم ويعظم ويوسل لسائر الخيرات ، وتنقاد النفوس له ، فتحبّه فلا تنكر ارتكاب هواه في كل شيء ، بل يحسن عند الجميع قبيح ما يعمله ، ويصير بذلك إلى غلبة الجميع على الكرامات والرئاسات والأموال واللذّات ونيل الحريّة ، فتلك الأشياء انما جعلت لهذه . وكما أن صيد الوحوش ، منه ما هو مغالبة ومجاهدة ، ومنه ما هو مخاتلة ومكايدة ، كذلك الغلبة على هذه الخيرات أن تكون بمغالبته ، أو تكون بمخاتلته . ويطارد بأن يتوهّم الانسان في الظاهر أن مقصده شيء آخر غير الذي هو بالحقيقة مقصده ، ولا يحذر ولا يتّقي ولا ينازع ، فيناله بسهولة . فالمتمسك بهذه الأشياء والمواظب عليها ، متى كان إنما يفعل ذلك ليبلغ الشيء الذي جعل هذه لأجله ، وهو المواتاة بها في الظاهر ليفوز بإحدى تلك الخيرات أو بجميعها ، كان عند الناس مغبوطا . فيزداد بيقين وحكمة وعلم ومعرفة ، جليلا عندهم ، معظما ممدوحا ؛ ومتى كان يفعل ذلك لذاته لا لينال به هذه الخيرات ، كان عند الناس مخدوعا ، مغرورا ، شقيا ، أحمق ، عديم العقل ، جاهلا بحظ