أبو نصر الفارابي
157
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
نفسه ، مهينا ، لا قدر له ، مذموما . غير أن كثيرا من الناس يظهرون مديحته لسخرية به ؛ وبعضهم يقويه لنفسه في أن لا يزاحم في شيء من الخيرات ، بل يتركها ليتوفر عليه وعلى غيره ؛ وبعضهم يمدحون طريقته ومذهبه خوفا أن يسلبهم ما عندهم على طريقته . وقوم آخرون يمدحونه ويغبطونه لأنهم أيضا مغرورون مثل غروره « 1 » . فهذه وما أشبهها هي آراء الجاهلة التي وقعت في نفوس كثير من الناس عن الأشياء التي تشاهد في الموجودات . وإذا حصلت لهم الخيرات التي غلبوا عليها ، فينبغي أن تحفظ وتستدام وتمدّ وتزيّد ، فإنها إن لم يفعل بها ذلك نفدت . فقوم منهم رأوا أن يكونوا أبدا بأسرهم يطلبون مغالبة آخرين أبدا . وكلما غلبوا طائفة ساروا إلى أخرى . وآخرون يرون أن يمتدّوا ذلك من أنفسهم ومن غيرهم ، فيحفظونها ويدبرونها ، اما من أنفسهم فبالغاية الإرادية ، مثل البيع والشراء والتعاوض وغير ذلك ، واما من غيرهم فبالغلبة ، وآخرون رأوا تزييدها في غيرهم بالوجهين جميعا « 2 » . وآخرون رأوا ذلك بأن جعلوا أنفسهم قسمين : قسما يريدون تلك ويمدّونها من أنفسهم بمعاملات ، وقسما يغالبون عليهم ، فيحصلون طائفتين ، كل واحدة منفردة بشيء : إحداهما بالمغالبة والأخرى
--> ( 1 ) الحصول على الخيرات يكون بوسيلتين : 1 - المغالبة 2 - المخاتلة أو المعاملة ( 2 ) بعضهم اعتمد المغالبة وبعضهم اعتمد المعاملة .