أبو نصر الفارابي
92
كتاب السياسة المدنية
ما وقع في نفس الإنسان من شيء يوصف به الجسم من جهة ما هو جسم فينبغي أن يسلب عن الأنفس المفارقة . وتفهّم حالها هذه وتصوّرها عسير غير معتاد على مثال ما يعسر تصور الجواهر التي ليست بأجسام ولا هي في أجسام « 1 » . فإذا مضت طائفة وبطلت أبدانها وخلصت أنفسها وسعدت فخلفهم ناس آخرون بعدهم قاموا في المدينة مقامهم وفعلوا أفعالهم خلصت أيضا أنفس هؤلاء . وإذا بطلت أبدانهم صاروا إلى مراتب أولئك الماضين من تلك الطائفة وجاوروهم على الجهة التي بها يكون تجاور ما ليس بأجسام ، واتصلت النفوس المتشابهة من أهل الطائفة الواحدة بعضها ببعض . وكلما كثرت الأنفس المتشابهة المفارقة واتصل بعضها ببعض كان التذاذ كل واحد منها أزيد . وكلما لحق بهم من بعدهم زاد التذاذ كل من لحق الآن لمصادفته الماضين ، وزادت لذات الماضين باتصال اللاحقين بهم لأن كل واحدة تعقل ذاتها وتعقل مثل ذاتها مرارا كثيرة ، ويزيّد ما يعقل منها بلحاق الغابرين بهم في مستقبل الزمان . فيكون تزيد لذّات كل واحد في غابر الزمان بلا نهاية . وتلك حال كل طائفة . فهذه هي السعادة القصوى الحقيقية التي هي غرض العقل الفعال « 2 » .
--> ( 1 ) نفوس أهل المدينة الفاضلة لا تتحرك ولا تسكن وترتفع عنها الأعراض الجسمية ويعسر تصور حالها كما يعسر تصور الجواهر المفارقة . وفي هذا يبتعد الفارابي عن عقيدة الإسلام في المعاد . ( 2 ) يكرر الفارابي التعابير ذاتها تقريبا الواردة في كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة . - - وهي تفيد أن نفوس أجيال أهل المدينة الفاضلة المتتالية تتواصل وتتجاور وتسعد .