أبو نصر الفارابي

93

كتاب السياسة المدنية

مصير نفوس أهل المدن الضالة البطلان فإذا كانت أفعال أهل مدينة ما غير مسددة نحو السعادة فإنها تكسبهم هيئات ردية من هيئات النفس . كما أن أفعال الكتابة متى كانت ردية أفادت كتابة ردية . وكذلك أفعال كل صناعة متى كانت ردية أفادت النفس هيئات من جنس تلك الصنائع ردية ، وتصير أنفسهم مرضى ، فلذلك يلتذّون بالهيئات التي يكتسبونها بأفعالهم كما أن مرضى الأبدان مثل المحمومين لفساد حسهم يستلذون الأشياء المرة ويستحلونها ويتأذون بالأشياء الحلوة وتظهر مرة في لهواتهم ، كذلك مرضى الأنفس لفساد تخيلهم يستلذون الهيئات الردية . وكما أن في المرضى من لا يشعر بعلته وفيهم من يظن مع ذلك أنه صحيح - ومن هذه سبيله من المرضى لا يصغي إلى قول طبيب أصلا - كذلك من كان من مرضى النفوس لا يشعر بمرضه ويظن مع ذلك أنه فاضل صحيح النفس ، فإنه لا يصغي أصلا إلى قول مرشد ولا معلم ولا مقوم . فهؤلاء تبقى أنفسهم هيولانية غير مستكملة استكمالا تفارق به المادة حتى إذا بطلت المادة بطلت هي أيضا « 1 » .

--> ( 1 ) أهل المدينة الجاهلة لا يصغون إلى المرشد أو المعلم وتظل نفوسهم هيولانية وتبطل ببطلان الأجسام .