أبو نصر الفارابي
91
كتاب السياسة المدنية
مصير نفوس أهل المدينة الفاضلة الخلود فإذا فعل كل واحد من أهل المدينة ما سبيله أن يكون مفوضا إليه ، وذلك إما أن يكون علم ذلك من تلقاء نفسه ، أو يكون الرئيس أرشده إليه وحمله عليه ، أكسبته أفعاله تلك هيئات نفسانية جيدة ، كما أن المداومة على الأفعال الجيدة من أفعال الكتابة تكسب الإنسان جودة صناعة الكتابة ، وهي هيئة نفسانية ، وكلما داوم عليها أكثر صارت جودة الكتابة فيه أقوى وكان التذاذه بالهيئة الحاصلة في نفسه أكثر واغتباط نفسه على تلك الهيئة أشد . كذلك الأفعال المقدرة المسددة نحو السعادة فإنها تقوي جزء النفس المعد بالفطرة للسعادة وتصيّره بالفعل وعلى الكمال ، فتبلغ من قوتها بالاستكمال الحاصل لها إلى أن تستغني عن المادة فتحصل متبرئة منها فلا تتلف بتلف المادة إذ صارت غير محتاجة في قوامها ووجودها إلى مادة فتحصل حينئذ لها السعادة « 1 » . وبيّن أن السعادات التي تحصل لأهل المدينة تتفاضل بالكمية والكيفية بحسب تفاضل الكمالات التي استفادوها بالأفعال المدنية وبحسب ذلك تتفاضل اللذات التي ينالونها . فإذا حصلت مفارقة للمادة غير متجسمة ارتفعت عنها الأعراض التي تعرض للأجسام من جهة ما هي أجسام . فلا يمكن أن يقال فيها إنها تتحرك ولا إنها تسكن . وينبغي حينئذ أن يقال عليها الأقاويل التي تليق بما ليس بجسم . وكل
--> ( 1 ) النفس التي استكملت تستغني عن المادة الجسمية ولا تتلف بتلف الجسم .