أبو نصر الفارابي

90

كتاب السياسة المدنية

كانوا أناسا أفاضل غرباء في تلك المساكن . ويعرض تفرقهم إما لأنهم لم تتفق لهم بعد مدينة يمكنهم أن يجتمعوا فيها أو أن يكونوا قد كانوا في مدينة ولكن عرضت لهم آفات من عدو أو وباء أو جدب أو غير ذلك فاضطروا إلى التفرق . ملك السنة فإذا اتفق أن كان من هؤلاء الملوك في وقت واحد جماعة إما في مدينة واحدة أو أمة واحدة أو في أمم كثيرة فإن جماعتهم جميعا تكون كملك واحد لاتفاق هممهم وأغراضهم وإرادتهم وسيرهم . وإذا توالوا في الأزمان واحدا بعد آخر ، فإن نفوسهم تكون كنفس واحدة ، ويكون الثاني على سيرة الأول والغابر على سيرة الماضي . وكما أنه يجوز للواحد منهم أن يغير شريعة قد شرعها هو في وقت إذا رأى الأصلح تغييرها في وقت آخر ، كذلك الغابر الذي يخلف الماضي له أن يغير ما قد شرعه الماضي ، لأن الماضي نفسه لو كان مشاهدا للحال لغيّر . ومتى لم يتفق إنسان بهذه الحال ، أخذت الشرائع التي دبرها أو رسمها أولئك فكتبت وحفظت ودبرت بها المدينة . فيكون الرئيس الذي يدبر المدينة بالشرائع المكتوبة المأخوذة عن الأئمة الماضين ملك السنّة .