أبو نصر الفارابي
9
كتاب السياسة المدنية
وفي الباب السادس يتكلم الفارابي على المدينة الفاضلة ، ويهتم بالشروط التي يجب أن تتوافر في رئيسها . والشرط الأهم هو القدرة على إرشاد الرعية وتعليمها ، والشرط الثاني هو عدم حاجته إلى من يرأسه أو يعلمه لأنه قد حصلت له العلوم والمعارف بالفعل . ولن تحصل هذه العلوم والمعارف إلا للطبيعة العظيمة الفائقة . وهي تحصل عندما ينتقل العقل من عقل بالقوة إلى عقل بالفعل ثم إلى عقل مستفاد . وهذا العقل المستفاد يستطيع أن يتصل بالعقل الفعال ويستمد منه العلوم والمعارف بطريق الفيض . « وهذه الإفاضة من العقل الفعال إلى العقل المنفعل بأن يتوسط بينهما العقل المستفاد هي الوحي » . وبما أن العقل الفعال فائض بدوره عن السبب الأول أو الله ، لذا يقال إن الله هو الذي يوحي توسط العقل الفعّال . وإذا لم تتوافر هذه الصفات في شخص بعد الرئيس الأول عمل الرئيس اللاحق بشرائع الرئيس الأول ودعي ملك السنة . وأهل المدينة الفاضلة ينقسمون إلى طبقات أو مراتب بحسب استعداداتهم الفطرية والآداب التي حصّلوها . والرئيس هو الذي يرتب ذلك فيضع كل إنسان في المرتبة التي تليق به . وتتسلسل المراتب في الشرف حسب قربها وبعدها عن رتبة الرئيس . ومراتب المدينة الفاضلة تشبه مراتب الموجودات في العالم . فكما أن مراتب الموجودات تبتدئ من الله وتنتهي إلى المادة الأولى ، وترتبط وتأتلف بعضها ببعض ، كذلك مراتب أهل المدينة الفاضلة تبتدئ بالرئيس الذي يشبه الله وتنتهي بالطبقة الدنيا التي تخدم ولا تخدم .