أبو نصر الفارابي

89

كتاب السياسة المدنية

وهذا الإنسان هو الملك في الحقيقة عند القدماء « 1 » وهو الذي ينبغي أن يقال فيه إنه يوحى إليه . فإن الإنسان إنما يوحى إليه إذا بلغ هذه الرتبة ، وذلك إذا لم يبق بينه وبين العقل الفعال واسطة . فإن العقل المنفعل يكون شبه المادة والموضوع للعقل المستفاد ، والعقل المستفاد شبه المادة والموضوع للعقل الفعال . فحينئذ يفيض من العقل الفعال على العقل المنفعل القوة التي بها يمكن أن يوقف على تحديد الأشياء والأفعال وتسديدها نحو السعادة . فهذه الإفاضة الكائنة من العقل الفعال إلى العقل المنفعل بأن يتوسط بينهما العقل المستفاد هو الوحي « 2 » . ولأن العقل الفعال فائض عن وجود السبب الأول فقد يمكن لأجل ذلك أن يقال إن السبب الأول هو الموحي إلى هذا الإنسان بتوسط العقل الفعال . ورئاسة هذا الإنسان هي الرئاسة الأولى وسائر الرئاسات الإنسانية متأخرة عن هذه وكائنة عنها ، وتلك هي بينة . والناس الذين يدبّرون برئاسة هذا الرئيس هم الناس الفاضلون والأخيار والسعداء . فإن كانوا أمة فتلك هي الأمة الفاضلة ، وإن كانوا أناسا مجتمعين في مسكن واحد كان ذلك المسكن الذي يجمع جميع من تحت هذه الرئاسة هو المدينة الفاضلة . وإن لم يكونوا مجتمعين في مسكن واحد بل في مساكن متفرقة يدبر أهلها برئاسات أخر غير هذه

--> ( 1 ) هذا الشرط ورد عند أفلاطون ولم يرد عند أرسطو في كتاب النفس المذكور . ( 2 ) لاحظ كيف يوفق الفارابي بين الفلسفة والشريعة فيجعل الفيلسوف نبيا لأنه مثل النبي يتصل بالله بواسطة العقل الفعال ويستمد منه العلم .