أبو نصر الفارابي
86
كتاب السياسة المدنية
على استنباط أشياء أقل . ثم هؤلاء يتفاضلون بتفاضل قواهم المستفادة من التأدب على جودة الإرشاد والتعليم أو رداءته . فإن الذي له قدرة على جودة الإرشاد والتعليم هو رئيس من ليس له في ذلك الجنس قوة على الاستنباط . وأيضا فإن ذوي الطبائع الذين هم أنقص من ذوي الطبائع الفائقة في جنس ما متى تأدبوا بذلك الجنس فهم أفضل ممن لم يتأدب بشيء من أهل الطبائع الفائقة . والذين تأدبوا بأفضل ما في ذلك الجنس رؤساء على الذين تأدبوا بأخس ما في ذلك الجنس . فمن كان فائق الطبع في جنس ما فتأدب بكل ما أعد له بالطبع فليس إنما هو رئيس على من لم يكن في ذلك الجنس فائق الطبع فقط بل وعلى من كان في ذلك الجنس فائق الطبع ولم يتأدب أو تأدب بشيء يسير مما في ذلك الجنس « 1 » . حاجة الإنسان إلى معلم يرشده إلى السعادة وإذا كان المقصود بوجود الإنسان أن يبلغ السعادة القصوى فإنه يحتاج في بلوغها إلى أن يعلم السعادة ويجعلها غايته ونصب عينيه . ثم يحتاج بعد ذلك إلى أن يعلم الأشياء التي ينبغي أن يعملها حتى ينال بها السعادة ، ثم أن يعمل تلك الأعمال . ولأجل ما قيل في اختلاف
--> ( 1 ) يضع الفارابي الأسس التي بموجبها يتفاضل الناس وهي أجناس الصنائع والعلوم التي أعدوها لها بالطبع ، ودرجة ذلك الاستعداد ونقصه في الجنس الواحد ، ودرجة التأدب التي نالوها ، والقدرة على الاستنباط والتأديب .