أبو نصر الفارابي

87

كتاب السياسة المدنية

الفطر في أشخاص الإنسان فليس في فطرة كل إنسان أن يعلم من تلقاء نفسه السعادة ولا الأشياء التي ينبغي أن يعملها ، بل يحتاج في ذلك إلى معلم ومرشد ، فبعضهم يحتاج إلى إرشاد يسير وبعضهم إلى إرشاد كثير . ولا أيضا إذا أرشد إلى هذين فهو لا محالة يعمل ما قد علم وأرشد إليه دون باعث عليه من خارج ومنهض نحوه . وعلى هذا أكثر الناس . فلذلك يحتاجون إلى من يعرفهم جميع ذلك وينهضهم نحو فعلها . وليس أيضا في قوة كل إنسان أن يرشد غيره . ولا أيضا في قوة كل إنسان أن يحمل غيره على هذه الأشياء . الرئيس هو من يقدر على إرشاد غيره وتعليمه ومن لم يكن له قدرة على أن ينهض غيره نحو شيء من الأشياء أصلا ولا أن يستعمله فيه وكان إنما له القدرة على أن يفعل أبدا ما يرشد إليه لم يكن هذا رئيسا أصلا ولا في شيء بل يكون مرءوسا أبدا وفي كل شيء . ومن كانت له قوة على أن يرشد غيره إلى شيء ما ويحمله عليه أو يستعمله فيه فهو رئيس في ذلك الشيء على الذي ليس يمكنه أن يفعل ذلك الشيء من تلقاء نفسه ولكن كان إذا أرشد إليه وعلّمه فعله ، ثم كانت له قدرة على أن ينهض غيره نحو ذلك الشيء الذي علمه وأرشد إليه ويستعمله فيه . كان هذا رئيسا على إنسان ومرءوسا من إنسان آخر . والرئيس قد يكون رئيسا أولا وقد يكون رئيسا